الخميس، 30 سبتمبر، 2010

الدكتور محمود شريح كيف تعرفت على الحزب السوري القومي الاجتماعي

الدكتـور محمـود شـريح :
كيف تعرفتُ على الحزب السوري القومي الاجتماعي

في بحثه القيّم بعنوان " خليل حاوي وانطون سعاده " الذي صدر للكاتب الدكتور محمود شريح عن دار " نلسن " عام 1995، يورد الدكتور محمود شريح في الفصل الاول عن معرفته الاولى بالحزب السوري القومي الاجتماعي.
فيه كما في فصول أخرى من الكتاب، معلومات جيدة تعني كل مهتم بتاريخ العمل الحزبي. ننشر معظم ما جاء في الفصل المذكور.

فجر 01/01/1962 أفقت على هدير مصفّحات، وكانت والدتي سبقتني إلى الشرفة لتستطلع الأمر ثم همست " لندخل "، ولكنّي نظرت الى الطريق العام فإذا بمصفّحات وسيّارات عسكرية تتجه ببطء الى مخيّم برج البراجنة حيث اكبر تجمّع للفلسطينيين في بيروت وضواحيها، فما أن طلع الصباح حتى اعتقل من اهله جمعٌ غفير ينتمون الى الحزب السوري القومي الاجتماعي، فيما بقيت المصفحات والسيارات العسكرية عند مدخل المخيم الرئيسي والجنود يدققون في هويات الخارجين منه والداخلين إليه. بعد ظهر ذلك اليوم نفسه ذهبتُ مع امي إلى مناحة محمد راغب ( قبلاوي ) وكان تِرباً لوالدي وعلى صلة به منذ ايام مسقطهما قرية ترشيحا في الجليل الاعلى. كانت النسوة تنتحبن بهدوء وحذر، ووري محمد راغب الثرى في جنازة بسيطة شارك فيها عددٌ قليل من صحبه، فالرعب كان مسيطراً على برج البراجنة إثر فشل المحاولة الانقلابية التي قام بها القوميون على نظام فؤاد شهاب ليلة 31/12/1961، وكان محمد راغب، مسؤول الحزب في برج البراجنة، سهر مع والدي في منزلنا حتى ساعة متأخرة من الليلة نفسها، وكان منتصف ليلة 31/12/1961 سـاعة الصفر لبدء الانقلاب، وليس من دليل على انه كان على علم بالانقلاب. امّا والدي فكان ابداً كتوماً ولا برهان لدي انه كان منتسـباً الى الحزب، ولكن بدا في احيان كثيرة انّه متعاطف مع اعضائه، لا سيّما ممن كانوا من عائلته منخرطين في صفوف الحزب وهم كثر. اعتقل محمد راغب إذن مع غيره من القوميين في برج البراجنة وقضى في اليوم نفسه، إما تحت التعذيب او باغتياله إثر اعتقاله عند دوار الغبيري، كما روى البعض. دُفن دون جَلَبة او ضجّة بأمر من السُلطة.

آنذاك كان في برج البراجنة قومي آخر يحاط بهالة من الاحترام والتقدير لم يعتقل اذ كان وفى قسطه للعلى، هو احمد عكاشة (1) الذي دخل السجن إثر الثورة القومية الاجتماعية الاولى التي اعلنها سعاده في تموز 1949، وصدرَ بحقه حكمٌ قاسٍ ( 15 عاماً، امضى منها ثمانية ثم اخلى سبيله كميل شمعون بعد تحالف الحزب معه ). في رسالة احمد عكاشة (19/04/1993)
من صيدا التي نزح اليها إثر حرب المخيمات أنّه وقَعَ على كُتَيّب صغير بعنوان سعاده والمسألة الفلسطينية في عام 1948، ومع خروجه من فلسطين، فقرأه مع اترابه عثمان وحسني الصالح ومحمد راغب ثم تمّ لقاء بين هؤلاء وعدد من قادة الحزب منهم كميل جدع (2) في منطقة المريجة قرب برج البراجنة، ثم انه اقسم يمين الحزب مع بعض اهل ترشيحا يذكر منهم سعيد دكار وهاني راغب ( قبلاوي ). يرى أحمد عكاشة أنّ وصول جورج عبد المسيح في عام 1936 الى بيرزيت قرب رام الله ليدّرس في كليتها ساهم الى ضم عددٍ لا بأس به الى الحزب، منهم ( الامين ) مصطفى ارشيد ( من جنين ) وكميل جدع ومحمد شلبي ( من حيفا ) ومحمد جميل يونس ( من عكا )(3) شارك عكاشة فعلياً في ثورة تمّوز بصورة عسكرية وكان آنذاك في الخامسة والعشرين من عمره، فاعتقل، فيما اعدم سعاده وستة آخرون، ثلاثة منهم من الجليل: اثنان من حيفا ( محمد شلبي واديب جدع ) وواحدٌ منهم من طبرية ( عباس حمّاد ).
وكان يزور والدي بين حين وآخر صالح سوداح أحد قدامى الحزب ومنفّذيه(4). كتب الي يقول انه لم يلتق بسعاده وإن كان شاهدهُ في شارع باروت في حلب يمشي قبالة فندق " بارون " فيما اصطف على جانبي الشارع شبّان يؤدون التحية للزعيم.
يقول صالح سوداح ( ابو سعاده ) إنّه لم يكن انتمى الى الحزب بعد حين شاهد الزعيم، فأكمل سيره الى مخيّم النيرب الذي لجأ اليه إثر نكبة عام 1948، لكنه يقول في رسالة له من دبي في ( 24/06/1994 ) إنّه كان شاهد في عام 1946 كتاب سعاده " نشوء الامم " معروضاً في واجهة مكتبة عكا "، لكن لم يلمس اي نشاط قومي في مسقطه ترشيحا قبل النكبة، ثم تشاء الصدف ان يصل صالح الى بيروت مساء 07/07/1949 ويعلم من ابناء بلدته انّ سعاده اعلن الثورة وأن بعضهم " متوارون عن الانظار لأنهم اعضاء في الحزب ". في صباح اليوم التالي كان في ساحة البرج في بيروت فسمع باعة الصحف ينادون " اعدام انطون سعاده " فاشترى صحيفة وقرأ فيها أن " سعاده تراخى وضعف وألقى بالتّبعة على الاخرين وانكر رفاقه " ويضيف صالح : " ولدى عودتي الى برج البراجنة حاولت ان اواجه قريباً دافع عن سعاده والحزب بالامس، فاجأني بالتساؤل قبل ان يرى الجريدة التي اتأبّط : اهي التلغراف ؟ ولما اجبت نعم قال لا تصدقها فهي موالية للحكومة وتكذب ! ويوم 09/07/1949 اشتريت " كل شيء " وقرأت فيها مقالاً بقلم محمد بعلبكي وتقريراً مفصلاً عن المحاكمة وكانت مناقضة لما اوردته التلغراف على خط مستقيم، مما جعلني اتأمل الامر مليّاً، وكانت هذه بداية رحلة الالف ميل. و" الانتماء الرسمي الى الحزب " تأخر حتى عام 1950 وتمّ في حلب، وما زلت عضواً عاملاً احضر الاجتماعات والمؤتمرات، وأنا اليوم اعمقُ ايماناً بقدرة العقيدة القومية الاحتماعية على تحقيق نهضة شاملة في بلادنا ". في الرسالة نفسها يذكر سوداح أن اوّل ترشحاني انتمى رسمياً الى الحزب في اواخر الثلاثينيات هو جمال حميد آغا. أمّا انشط اهل بلدة ترشيحا حزبياً إثر النكبة عام 1948 فكان عثمان فؤاد قاسم. ويؤكد سوداح ان عدداً لا بأس به من اهالي ترشيحا كانوا يعتنقون مبادئ الحزب قبل سقوط فلسطين ومنهم كان يترددّ على بيروت لأغراض حزبيّة. فيما يتعلق بحاوي يقول سوداح إنّه لم يلتق به ابداً لكنه اعجب بشعره " ايّما إعجاب " وإن سبب توقف حاوي عن النشاط الحزبي خلافه مع جورج عبد المسيح ( اول رئيس للحزب بعد استشهاد سعاده )، " ولا استغرب ذلك إذ لا بدّ لمن يتعامل مع عبد المسيح ان يتحلى بصبر ايّوب ".
على هذا النحو اذن كانت معرفتي الاولى بالحزب، اي من خلال علاقة والدي بأترابه القوميين، ولكنها كانت معرفة غير معمقة اذ كنت دون سن الرشد، ثم كان ان ارسلني اهلي الى الانترناشونال كولدج فلاحظت انّ عدداً لا بأس به من الطلبة يتحدثون عن سعاده والحزب، وكان نذلك بين عامي 1967 و1971، وحاول صديقي اديب فرحة اقناعي بالانضمام اليه لكن قد سبق السيف العزل اذ انجرفت في بداية العام 1969 الى تيار سياسي آخر، وفي الجامعة الاميركية ( 1971 – 1975 ) لاحظت ان القوميين كانوا على مستوى راقٍ من التنظيم وسعة المعرفة، اذكر منهم الآن يوسف شويري واليسار ابو جودة ونجيب صعب واليسار نبالي وقيصر رزق الله ووسيم جريج ورجا خولي والشهيد نقولا عبد الله سعاده، وعرفت ان عدداً لا يستهان به من الاساتذة في الجامعة نفسها كانوا اعضاء سابقين في الحزب او موالين له، من مثل نفحت نصر وفؤاد حدّاد وايلي سالم والمرحوم طوني كساب وصالح سعيد آغا وحليم بركات ومنير خوري ومنير بشّور والياس سروجي وطريف الخالدي وانطون غطّاس كرم وغيرهم، لكن كان شائعاً بين صفوف الطلبة ان استاذ مادة النقد الادبي في الدائرة العربية الشاعر خليل حاوي هو من قدامى المنفذين في الحزب، وكنت معجباً بشعره واحفظ بعضه عن ظهر قلب. أمّا ما شدّني الى شخصية سعاده وفكره فصديقان هما هشام شرابي في كتابه " الجمر والرماد " عام 1978 ويوسف سلامة في كتابه " حدثني ي . س . قال " عام 1988، فيرى الاول تجربته في الحزب وعلاقته بسعاده باسلوب حميم وذاكرة متقدة، فيما يقص الثاني بنفس شعري وجوّ تأريخي حادثة الجميزة الشهيرة وخروجه مع شرابي وصحبه برفقة الزعيم من مطبعة الحزب قبل احراقها وتوجههم الى منزل سعاده في رأس بيروت ثم لجوء سعاده سراً في الليلة نفسها الى دمشق. ورواية شرابي وسلامة لحادثة الجميزة لا غنى عنها لدارس تاريخ الحزب وآخر يوم لمؤسسه في بيروت، متى استثنينا يوم احضاره قسراً من دمشق إثر انكفاء الثورة القومية الاجتماعية وإعدامه في اقل من 24 ساعة. قرأت " حدثني ي . س. " قال إثر صدوره وكنت آنذاك في فيينّا، فطربت لصراحة واضعه، لا سيّما حين يأتي على سرد قصة زجه في سجن الرمل مع غيره من القوميين باسلوب نقدي ساخر يعيد الى الاذهان فن المقامة وحديث المويلحي في كتابه الذائع الصيت، ووجدت نفسي معجباً بسعاده واتباعه، فعدت الى قراءة " الجمر والرماد "، وعندئذ قلت لا بدّ من قراءة ما كتبه سعاده، فكتبت الى صديقتي رندة انطون، وكانت آنذاك تعدّ اطروحة الدكتوراه في جامعة " يورك "، طالباً منها مدّي بما لديها من كتب سعاده، فبعثت اليّ اولاً بمؤلف مراحل المسألة الفلسطينية، ووجدت ان مضمونه على قسط عالٍ من الدقّة والجرأة في آن، ثم طيّرت الي رندة الصراع الفكري في الادب السوري، وهنا كانت المفاجأة، فمادة الكتاب عامّة هي ما سمعتُه من حاوي وانا اختلف الى محاضراته في النقد الادبي، مع اضافة جديدة الى ذلك تمثّلت في تبني حاوي للفكر النقدي الكانطي والمذهب المعتزلي في آن.

ثم كان لا بدّ لي من قراءة كتاب سعاده في النقد الادبي الذي عقد فصوله كافة في دراسة شعر رشيد سليم الخوري ( الشاعر القروي )، اعني جنون الخلود، وفي هذا الشعر الادبي وقعت على حداثة نقدية رائدة، ناهيك عن سعة علم مؤلفه في الادب المقارن. الكتاب هجومٌ شرسٌ على القروي وقصيده، ولكنّه في آن دراسة نفسية الشعب السوري وانجازاته الحضارية، وفي هذا المؤلَّف بالذات عثرت على روابط الفكر والروح بين حاوي وسعاده. ورث حاوي عن سعاده الكثير من الآراء والافكار، وكان سعاده من قبلُ " استوعب تجربة الادباء والسياسيين والمفكرين السوريّين في اواخر القرن الماضي ومطلع القرن الجاري، وتجاوزهم بدرسه درساً منظماً لمعنى الامّة وعوامل نموِّها، فالزم الاشكال معانيها وأسس القضية القومية لسوريا على العلوم الاجتماعية المتقدمة " ( من تقديم بدر الحاج لكتاب نواف حردان " سعاده في المهجر "، الجزء الاول، البرازيل: عام 1921 – 1930، بيروت دار فكر للابحاث والنشر، صيف عام 1989ن ص 12 ).
ومن المفاصل الاساسية التي يلتقي عندها حاوي وسعاده اهتمامهما بجبران، فأطروحة حاوي في كيمبردج كانت عن موقع جبران الحضاري. اما سعاده، الذي عاصر حبران أكثر من ربع قرن، وقرأ نتاجه، فرأى فيه " الشفق الذي يسبق الانوار الساطعة، انوار النهضة القومية الاجتماعية " ( من تقديم بدر الحاج لمؤلف نواف حردان السابق ذكره ص 15 ). واذا كان حاوي وضع جبران في اطاره الحضاري فإن عدداً لا بأس به من المفكرين وضعوا سعاده في اطاره الحضاري ووجدوا فيه الوريث الشرعي للفكر النهضوي، وفي رأيي انه لم يأت حتّى الآن وبعد حوالي نصف قرن على غيابه من يماثله في عمق الفهم وجرأة الرأي وثبات الموقف. احببتُ سعاده بصورة شخصية لكثرة ما سمعته عنه من هشام شرابي ويوسف سلامة، وآمل أن اكون قد وفقت في تبيان اثر سعاده على حاوي ورواية تجربة الشاعر في الحزب السوري القومي الاجتماعي.
*
1- من مناضلي الحزب . . مقيم حالياً في اقليم الخروب.
2- من اوائل الرفقاء في حيفا، تولى مسؤوليات حزبية فيها، وفي مركز الحزب بعد انتقاله الى خارج الارض المحتلة، منها منفذ عام ورئيس مكتب عبر الحدود.
3- المعلومات التي اوردها الرفيق عكاشة ليست دقيقة لجهة ان عبد المسيح اثناء تدريسه في بيرزيت ساهم في ضم الرفقاء المذكورين منه الى الحزب.
4- محامِ معروف، تولى مسؤوليات حزبية محلية ومركزية منها عضو المجلس الاعلى، رئيس المحكمة الحزبية، رئيس مجلس العمد، عميداً للداخلية.

شاعر المنبرين رفعت مبارك

شـاعـر المنبـريـن الـرفيـق رفعـت مبـارك

في فترة توليّ للجنة تأريخ الحزب، تابعت مع الامين مهدي عاصي تنظيم المعلومات المفيدة لسيرة الشاعر المعروف الرفيق رفعت مبارك. وكان الامين مهدي قد زودني بمعلومات جيدة الا ان تسلمي لمسؤولية عميد شؤون عبر الحدود حال دون متابعة الكثير من الملفات الخاصة بتاريخ الحزب الى ان عرفت ان ابنه الاستاذ عصام اهتم جيداً في جمع انتاج والده، فاصداره في ديوان جرى التوقيع عليه مساء الاربعاء في 16/12/2009 في قاعة الجمعية الاسلامية للتخصص والتوجيه العلمي، بدعوة من كل من اتحاد الكتاب اللبنانيين، نقابة شعراء الزجل، الحركة الثقافية في لبنان وبالتعاون مع المنبر الثقافي للجمعية الاسلامية للتخصص والتوجيه العلمي.
وفي المناسبة المذكورة تكلم كل من:
- نجل صاحب الديوان الاستاذ ماجد مبارك.
- الشاعر طليع حمدان عن نقابة شعراء الزجل.
- رئيس الحركة الثقافية في لبنان الشاعر بلال شرارة.
- امين عام الكتاب اللبنانيين الشاعر الأمين غسان مطر.
ووقع الديوان نجله الاستاذ عصام مبارك، وقدم الحفل الاستاذ عماد شرارة.
*
الكلمة التي قدم بها الأمين غسان مطر ديوان الشاعر الرفيق رفعت مبارك:
كنّا صغاراً في القرية الشمالية العالية، تنورين – يوم بدأ إسم رفعت مبارك يتردّد على مسامعنا كواحد من ألمع شعراء العتابا والشروقي.
ومن شدّة تعلّق اهل قريتي بالشّعر عموماً وبالزجل خصوصاً، كثيراً ما كانت تتحوّل فيها السهرات إلى سوق عكاظ شعبية، يتبارى فيها الزجّالون ويتبارزون، ويتنافس فيها الحفظة بما تختزن ذاكرتهم من قصائد وموشحات وابيات عتابا وميجنا وغيرها من اصناف الشّعر الشعبي المتناقل على الالسنة والاسماع.
وكنت كلما غُنّي بيت من العتابا فريد، أسأل عن صاحبه، فيأتي الجواب: رفعت مبارك او الياس النجّار.
وتفتّح وعيي على الجمال، وشغلني الشعر، فصيحه وعامّيه، وكانت تلفتني دائماً المقدرة المطواعة على الارتجال عند الموهوبين الكبار من شعراء العاميّة وفي طليعة هؤلاء الشاعر رفعت مبارك صاحب الحضور الآسر والنبرة الخاصّة والسبّك المتميّز.
ورفعت مبارك الشاعر، حامل همّ الابداع، هي في الوقت عينه، رفعت مبارك المناضل حامل همّ الارض والانسان. وهذه ميزة نادرة ما انشغل بها المنبريون في زمانه، لذلك نرى عنده ما لا نراه عند سواه من معانٍ وخواطر وصور، فهو ابن رسالة وصاحب قضية فتحت امام عينيه آفاقاً ظلّت عصيّة على الآخرين، ومكنته من ان يحتل في الشعر العامي موقعاً ريادياً ذا نكهة " مباركية " خاصّة في البناء والصياغة.
وفي زمن فوضى النظريات والمفاهيم حول الشعر يهمّني ان اؤكد على امر يكاد يصير من المنسيات في زماننا، وهو أنّ الزجل اللبناني كان وسيبقى واحداً من أرقى مظاهر الثقافة الشعبية، كما انه نهر عظيم استقى من تدفّقه كثير من المبدعين الذين عملوا على تطويره في اتجاه الحداثة الشّعرية في العامية اللبنانية.
هنا يأتي فضل رفعت مبارك وأمثاله من الشعراء، فهم بالنسبة للعاميّة ما كانه الرواد في الفصحى الذين من بساتينهم ازهرت القصيدة العربية الحديثة. وليس من المبالغة في شيء القول ان رفعت مبارك هو واحد من الذين أسّسوا لتذوق الشعر عند العامة والخاصة إذ ربيت على صوته اجيال، وتنعّمت بالتماعات موهبته وحفظت له الكثير ممّا تعمر به الذاكرة ويتردد في كل لقاء فرح.
وإذا كانت ثقافة كل شعب تقاس بما للشّعر من مكانة في حياته، فإن اللبنانيين أغنياء لأن شعر رفعت مبارك ومن سبقه وجايله ولحقه من امراء الزجل محفور فيهم وباقٍ كالخميرة التي من دونها لا خبز ولا قوت ولا حياة.
وهذا الديوان هو شهادة في شاعرية رفعت مبارك، وهي شهادة ابلغ من كل نقد. وحسبي، وانا اعلن فرحي بهذا الاكتشاف، انني قرأت وارتويت، وانني تعلّمت فاغتنيت.
**
وتوّجه الاستاذ عصام بشرح مضيء عن سيرة والده الرفيق الشاعر رفعت مبارك، قال:
ولد الشاعر المرحوم رفعت مبارك عام 1922 في بلدة القصر، قضاء الهرمل، الواقعة في البقاع الشمالي من لبنان. والده محمود وأمه خديجة مصطفى المصري، عاش وترعرع في منزل بسيط، وسط أسرة تميزت بالهدوء والمحبَّة للناس ومحبة الناس لها.
عاش تسع سنوات في بلدة تمنين التحتا، وقيّد نفوسه في سرعين الفوقا. شغل وظيفة في بريد زحلة، ثم مأمور احراج، ثمّ ترك الوظيفة، لينتقل إلى بيروت حيث عاش فيها مع اسرته مدة ثلاثين سنة.
انجب خمس بنات وصبيين هم: نوال، عصام، فدوى، ابتهاج، ماجد، ماجدة، زينب. جاهد وعلّم الجميع، فتخرج أغلبهم في الجامعات.
في القسم الاول من حياته، عاش الطفولة والقرية جمالاً ونقاءً وطيباً وطيوباً وصفاءً وحباً ورجولة وشهامة ومروءة وإخلاصاً.
وفي بيروت تعرّف الى الجامعات، والمكتبات، والاذاعة، والتلفاز، وحياة الصالونات الادبية وجلسات المقاهي والأرصفة، وحركة العمل، والمعارض العلميّة والادبيّة، والتجاريّة، ودخل في الخليط البشري بين الجنسيات والثقافات والانساب والاهواء والاديان، وخبر ما دار فيها – خلال هذه الفترة - من تبادل حضاري، وحوار، وتلاقح فكري، واحزاب وعقائد، وندوات ومؤتمرات، وحفلات وإعلام، وإعلان ومسرح، وجمال، وتحدٍ، ودمار، وصمود، وانتصار المقاومة في لبنان على اسرائيل وجيشها الذي لا يقهر، وتحرير للأرض المحتلة في الجنوب اللبناني. هذه التأثرات والمعارف جعلته على تواصل مع الحُبِ والحياة والموت والحقّ والخير والجمال.
وكانت له اسفار كثيرة الى البلاد العربية منها : سوريا، الكويت، الاردن، مصر، السعودية وبلاد افريقيا واميركا وكندا وفنزويلا والبرازيل مرات عدّة، مع مجموعة كبيرة من الشعراء والفنانين، الأمر الذي ربطه بشبكة علاقات مع افراد الجالية اللبنانية. وجعلته موضوع حب واحترام وتقدير وإعجاب، وقد تأثروا به كثيراً بقدر ما تاثر بهم، ودعوه لتكرار الزيارات مراتٍ عدة الى المغتربات وقد لبى هذه الدعوات كلها.
إضافة الى ما قرأ من الكتب الفكرية كان كثير الانشغال في مجال اللغة والادب وخاصة المعجميات وتأثر كثيراً بالمتنبي وجبران دون تقليد لهما.
عمل في السياسة حيث انتمى اول حياته الى حزب النجادة، ثم الى الحزب السوري القومي الاجتماعي. وقف في وجه الظلم بكل اشكاله الشخصي، والانساني، والاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي المحلي والدولي. كما رفض الإذعان والاستسلام للضعف، او المراوحة في مكان واحد. وله قصائد عديدة في التعليم، والمرأة، والعمال والسياسة، وقد كان لفلسطين المركز الاهم في شعره، وكذلك المقاومة وقد جعلها في بؤرة تفكيره، واستحوذت على اعجابه وتأييده سراً وعلانية. لها ولإنجازاتها وانتصاراتها كتب الكثير الكثير عنها وعن انتصاراتها.
وقد تعرّض بسبب التزامه ومواقفه الى الملاحقة والسجن غير مرّة. كان اكثر إنسجاماً وإلتصاقاً باللهجة العامية المحكية التي يتحدث بها عامة الشعب. قدم شاعرنا مادة شعرية يتذوقها العامة والخاصة، الشعراء والادباء والاطباء والمهندسون ورجال السياسة، كان مقتنعاً بأنه لا يجوز الخلط بين العامية والفصحى في الشعر، وأن هذا النوع من الشعر تتذوقه مختلف الطبقات الشعبية في لبنان وخارجه. والحقيقة أنه لاحظ كثيراً من انماط النشاط الانساني وتعقيداته، كبيرها وصغيرها، واحتك بالفلاحين، والفقراء، والاجراء، ورجال الأعمال، والمهاجرين، والاغنياء، والسياسيين، والعسكريين، والعلماء، والمعلّمين، واساتذة الجامعات، والصحفيين، والاعلاميين، والمحامين والقضاة، والمفكرين، والشعراء، والفنانين، والاطباء، والرياضيين، وعلماء الدين. وقرأ ماركس ولينين وانطون سعاده، وعاصر رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري، ورؤساء مجلس النواب: صبري بك حمادة واحمد بك الاسعد، ونبيه بري، ورؤساء مجلس الوزراء الذين توالوا خلال فترة حياته، إضافة الى عدد كبير جداً من النواب والوزراء في لبنان وسوريا، ناهيك عن موظفي الفئة الاولى والثانية في الدولة اللبنانية، وخاصة في سورية حيث كانت تربطه ببعضهم صداقة وطيدة.
التقى عدداً كبيراً جداً من رجال الدين مثل الشيخ حبيب آل ابراهيم السيّد موسى الصدر والمطران منجد الهاشم والبطريرك هزيم والمطران مبارك والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والشيخ عبد الامير قبلان، والسيد محمد حسين فضل الله، الذين كانت لقاءاته معهم كثيرة جداً قي المناسبات الدينية والاجتماعية الخاصة حتى بات صديقاً شخصياً لعدد من هؤلاء.
ترك شاعرنا مجموعة من المؤلفات في الخمسينيات هي : الاستقلال، ربيع، وأهداف الشباب منارة الفن، وقد نفذت جميعها حتى اننا لم نستطع الحصول على نسخة واحدة منها. كتب وارتجل في كل أنواع الزجل اللبناني المعنى والعتابا والشروقي. التي نجد فيها الفخر والوصف والوطنيات والوجدانيات والرثاء والمناسبات. والجدير بالذكر أنه لم يعرف الكراهية والحقد، ولذلك لا يوجد في كل اعماله الشعرية قصيدة واحدة في الهجاء.
وقد شارك بالتمثيل في تلفزيون لبنان الى جانب المطربة الفنانة هيام يونس.
أما الشعراء الذين عاصرهم ورافقهم والتقاهم وبارزهم في غير مناسبة نذكر منهم حسب الحروف الابجدية للاسم الاول:
الإســم الإختصـاص الجنســيـة
أحمد السيد زجل لبناني
أسامة السمرا عتابا سوري
الياس النجار عتابا لبناني
انطون عيد زجل لبناني
انيس الفغالي زجل لبناني
جرجس البستاني زجل لبناني
جرجس كريدي عتابا لبناني
جورج ابو انطون زجل لبناني
حنينة ضاهر زجل لبنانية
خليل شحرور زجل لبناني
خليل روكز زجل لبناني
درويش حمود عتابا سوري
راغب الزهر شاعر عتابا لبناني
رامح مدلج عتابا سوري
سليم الراعي عتابا لبناني
سليم الصايغ زجل لبناني
صالح رمضان عتابا سوري
طانيوس الحملاوي زجل لبناني
طليع حمدان زجل لبناني
عبد الحافظ شمص كاتب وشاعر لبناني
عبد المنعم فقيه زجل لبناني
عبودي عتابا سوري
علي الحاج القماطي زجل لبناني
عوض المقداد عتابا لبناني
مالك تقي الدين عتابا لبناني
محمد الحاروفي عتابا لبناني
مصطفى البلوداني عتابا سوري
محمد محمود الزين عتابا لبناني
ناشد اسكندر عتابا لبناني
نجيب حيدر عتابا لبناني
يوسف حسون عتابا فلسطيني
يوسف حاتم عتابا لبناني
وليم صعب زجل لبناني
ياغي شريم زجل لبناني

تميّز بسرعة البديهة وحضور جوابه، وتمكنه من الربط وقوة السبك دون التخلي عن الصورة الجميلة الموحية، كما تميّز بقوّة الإرتجال، وعدم تردده في اي جواب او ردّ في كل حفلاته المسرحية ومناسباته العامة التي شارك فيها من حفلات ومباريات وأعراس ومآتم.
عرف بشاعر المنبرين وهو لقب تفردّ به دون غيره من الشعراء وذلك لأنه الوحيد الذي ابدع فني العتابا والشروقي والمعني والقرادي وما الى ذلك من فنون الزجل اللبناني كتابة وارتجالاً وخاض بهما كثيراً من الحفلات والمباريات وقد قال عنه احد كبار شعراء العتابا والشروقي " يوسف حسون ": " رفعت مبارك هو الشاعر الذي لا يحرج ". وقد تخصص بالشروقي والعتابا وطوّر هذا النوع من الشعر الشعبي وأدخله الى ندوة الزجل وجعل له ركناً خاصاً في الاذاعة اللبنانية، وكذلك أدخله الى شاشة التلفزيون عبر جوقة العتابا التي كان رئيسها منذ نشأتها حتى وفاته. إضافة الى رئاسته لجوقة المنبر الزجلية. وقد كان عضواً من اعضاء نقابة شعراء الزجل في لبنان. كما شارك في عدد من الجوقات منها :
1- جوقة الجبل مع الشعراء: فرحان العريضي، انطون عيد، حنينة ضاهر ومزيد حمزة.
2- جوقة المنتخب الفنّي مع الشعراء: طانيوس الحملاوي، جورج أبو أنطون، خليل شحرور.
3- جوقة ليالي لبنان مع الشعراء: جان رعد، جورج ابو انطون، سليم الصايغ.
4- جوقة العتابا برئاسته مع الشعراء: راغب الزهر، محمد محمود الزين، نجيب حيدر. وقد توالى على عضويتها كل من الشعراء محمد الحاروفي، يوسف حسّون، سليم الراعي، الياس النجار، جريس كريدي وعوض المقداد.
5- جوقة المنبر برئاسته مع الشعراء: جورج ابو انطون، طليع حمدان، إدوار حرب. وقد توالى على عضويتها الشعراء: احمد السيد، عادل كلاب وميشال حديفة.
وفي ظل الاحداث اللبنانية سنة 1975 ترك الشاعر منزله في محلة النبعة وفيه مادة شعرية مخطوطة كبيرة سرقت مع الاثاث وعاد ليجمع منها ما أمكن اضافة الى نتاجه الشعري الجديد بعد هذه الفترة، وبفعل واقعيته وتعلقه إستطاع ان يجمع عدداً من النصوص عبر الاذاعة والاصدقاء والتسجيلات والمخطوطات الجديدة بهدف إصدار الديوان، ولكن القدر غدره وفارقنا الحبيب وارتحل ليل 21 كانون الاول 2001 الى الرفيق الاعلى ليبقى خالداً في الدنيا والآخرة إشاء الله، وها نحن نتابع ما بدأ لنقدم لك عزيزي القارئ " غلال المنبرين " لشاعر المنبرين.
ولا يفوتني أن اتقدم بالشكر الجزيل الى كل من ساعدنا من الاخوة والاقارب والاصدقاء والشعراء والاعلاميين والفنيين عبر تقديم النصوص المكتوبة او المسجلة، ولمن كتب عن الشاعر شعراً أو نثراً في الوطن او في المغتربات، كما أعتذر عن بعض السهو او الخطأ المطبعي اذا وجد. وأشكر الله تعالى الذي اعاننا في إنجاز هذا العمل رغم الصعوبات الجمّة التي اعترضتنا وخاصة في تجميع المادة الشعرية من اشرطة التسجيل المسموعة والمرئية مع ما كان يعتريها من اضطراب بسبب القدم ومرور الزمن وسوء التسجيل، إضافة الى صعوبة تتبع هذه النصوص في اماكن تواجدها حيث كانت تذكر لنا في كل انحاء لبنان سورية.
وأخيراً أعتذر من والدي الحبيب ومن محبيه ومتذوقي شعره عن التاخر بإصدار هذا البحث المتواصل عن المواد الذي استغرق وقتاً طويلاً. وأسأل الله تعالى أن يكون قد وفقني لقيامي بهذا الواجب في تنفيذه رغبّة والدي وتحقيق حلمه وفاءً لروحه الطاهرة، آملاً أن يكون راضياً عليه وعليّ وعلى أخي ماجد والاسرة كلها . . رحمه الله.


ملاحظة: لا بد أن نشير الى الرفقاء من بين الشعراء الذين وردت اسماؤهم في تقديم الاستاذ عصام مبارك:
وليم صعب، يوسف حاتم، حنينة ضاهر، مزيد حمزة.

العلامة الدكتور خليل سعاده

العـلامـة الدكتـور خليـل سـعاده
علم من اعلام الفكر والادب والسياسة والنضال الوطني


عام 1971 اهتم الامين نواف حردان، مع نخبة من اصدقاء الدكتور خليل سعاده، ابرزهم السيد غطاس خوري، باحياء ذكرى العلامة الدكتور خليل فكان كتاب الرابطة، الذي انكب الامين نواف حردلن على اصداره، فجمع فيه معظم المقالات التي كان نشرها الدكتور سعاده، في صحيفة " الرابطة " التي كانت تصدر عن " الرابطة الوطنية السورية" في سان باولو، وفي مجلة " المجلة ".
صدر كتاب " الرابطة " عام 1971 بعد " تنقيب وبحث طويلين مثابرين عن آثار الدكتور سعاده، الضائعة المبعثرة الموزعة هنا وهناك، والمخبأة في صناديق عتيقة بين اوراق قديمة بالية ".
بعد " المقدمة " التي اعدها الامين نواف حردان في 25 آب 1971، نشر ترجمة الدكتور خليل سعاده نوردها بالنص تعريفاً على ما كان عليه والد الزعيم، كاتباً ولغوياً وطبيباً ووطنياً.
ولد في الشوير – لبنان عام 1857 وتلقى دروسه الابتدائية في مدرسة المرسلين الاميركان، حيث درس مبادئ العلوم والآداب.
امّ بيروت في سن الخامسة عشر، ودخل الكلية السورية الانجيلية ( الجامعة الاميركية اليوم ) وحصل على الشهادة العلمية فيها، بعد ان اظهر من النبوغ والنجابة، ما ادهش مدراء الكلية واساتذتها. وفي عهده صارت بعض الدروس في الجامعة الاميركية تعطة باللغة الانكليزية، فانصب على تلقف آدابها بكل جد ونشاط، ولم يذخر وسعاً في إنماء معارفه من معين اللغة العربية وآدابها وتاريخها، والاطلاع على تاريخ الشعوب، خاصة تاريخ الامم الشرقية والعربية.
انعكف بعد ذلك على دراسة الطب، ونال لقب دكتور في سنة 1880 وفي اوائل عام 1881 قصد الاستانة، لتقديم فحوض الدكتوراه في المعهد الطبي السلطاني، فأظهر امام اللجنة الطبية الفاحصة، الني كان يرأسها الجراح الشهير محرم باشا، من الذكاء ما ادهش الجميع، ونال شهادة الطب بتفوق باهر. وهناك تعرف على الكثيرين من قادة الفكر وكبار السياسيين الذين كانت لهم مكانتهم السامية في المابين.
وعاد بعد ذلك الى وطنه، فتعاطى الطب في بلدة الشوير وفي بيروت، حيث تمكنت أواصر الصداقة والالفة بينه وبين ادباء النهضة في ذلك العصر ومفكريه، كالدكتور شبلي الشميل والشيخ يوسف الاسير والدكتور بشارة زلزل والشيخ ابراهيم اليازجي، واصدر بشراكة الاخيرين عام 1882 مجلة " الطبيب " فكانت حقلاً ادبياً وعلمياً، حافلاً بمختلف المواضيع الفلسفية والطبية والعلمية والادبية الراقية، ولهذا سمي مصدرو المجلة، سعاده واليازجي وزلزل، بالاقنوم الادبي المثلث، لأنهم أعادوا شأن الادب، وحلقوا فب سماء العلوم والفنون.
واحتجبت هذه المجلة بعد عام، وسافر الشيخ ابراهيم اليازجي الى القاهرة، وبقي صاحب الترجمة يتعاطى الطب في بيروت، حيث اصدر كتابه الاول: " وقاية الامراض السارية " وكتابه الثاني " في معالجة داء السل " وكتابه الثالث :
" فلسفة تأخر الشرق " فنالوا شهرة وانتشاراً واسعين، ولاقوا تقديراً كبيراً في الاوساط العلمية والطبية والفكرية، لما احتووه من الآراء الصائبة والنظريات الدقيقة والتحليل العلمي العميق.
وفي هذه الاثناء، دعته البعثة الطبية الانكليزية، لرئاسة مستوصفاتها في فلسطين ومستشفاها في طبرية، فقبل وقام بمهام مسؤوليته على وجه كامل، وكان يتمرن على الجراحة حتى حذقها فصار يشار اليه بالبنان. وفي اوقات الفرصة الصيفية، كان يعود الى لبنان والى بلدته الجميلة الشوير، لترويح النفس من عناء الاعمال.
تعرف في غضون اقامته في القدس، على الامير عبد القادر الجزائري المجاهد المعروف، فتمكنت بينهما أواصر الصداقة والتفاهم، كما عرف الكثيرين من غيره من اقطاب السياسة وكبارها. وفي هذه الاثناء انخرط في الماسونية وانتمى الى المحفل الملوكي في القدس، وترأس بعد مدة قليلة عام 1885 المؤتمر الماسوني العلمي، الذي ضم نخبة كبار الماسون من وطنيين وادباء مفكرين واجانب.
كلفته الحكومة التركية، اثناء زيارة القيصر غليوم الى فلسطين، بمرافقة القيصر ليكون طبيبه الخاص، فقام بما كل به خير قيام، واستحق اعجاب الملك وصداقته.
ورويداً رويداً بعد ان نضجت خبرته واختمرت نفسه، بدأ يشعر بأن عليه رسالة يجب ان يؤديها لوطنه والعالم العربي، فاستقال من وظيفته وتوجه الى مصر حيث بدأت مرحلة جديدة من حياته، غنية بالانتاج والعطاء.
كانت مصر في تلك الحقبة من الزمن، ملاذ الادباء والمفكرين الوطنيين الذين قصدوها فراراً من جور تركية وظلمها، وفيها لقي الدكتور سعاده بعض اصدقائه القدماء، كابراهيم اليازجي وشبلي الشميل وداوود بركات صاحب
" الاهرام " والجريدني "، وتعرف الى افذاذ جدد فازداد عدد اصدقائه والمعجبين به، كحافظ والبارودي والشيخ محمد عبده رشيد رضى، وعلي اليوسف صاحب " المؤيد " ويعقوب صروف وفارس نمر ووحيد الدين الايوبي والبكري، وغيرهم كما تمكنت عرى الصداقة المتينة بينه وبين عرابي باشا قائد الثورة المصرية الذي طلب منه ان يكون طبيبه الخاص، ورغب اليه ان ينقح له مذكراته التي احدثت مقدمتها – وهي بقلم الدكتور سعاده – دوياً كبيراً في عالمي الادب والسياسة. واسندت اليه بعض المحافل الماسونية رئاستها تقديراً منها لعلمه وادبه، وجرأته واخلاصه واندفاعه في سبيل إعلاء الحق وخدمة الانسانية المتألمة.
تزوج حوالي عام 1894 ورزق سبعة اولاد وابنتان، منهم ارنست الذي شغل وظيفة ملحق تجاري في احدى السفارات الاميركية في عاصمة البرازيل، وأرثور الذي كان مهندساً في مدينة سان فرنسيسكو – اميركانية، وتشارلي الذي كان صيدلياً، وادوار الذي لا يزال حياً، حصل على شهادة الحقوق ويعمل الآن في مكاتب إحدى الشركات الكبرى في سان باولو.
وبالرغم من مشاغل الدكتور سعاده الكثيرة، ومعاطاته الطب والسياسة، والقيام بالاعمال الانسانية، لم يغفل التأليف والكتابة، فأصدر عام 1895 رواية " قيصر وكليو باطرة " باللغة الانكليزية، فقوبلت بالثناء والتقدير في جميع الاوساط الراقية، وعقدت عليها جريدة " المورننغ بوسط " اللندنية الشهيرة، عاموداً كاملاً، مما لم يحصل على مثله فريق كبير من مشاهير الكتاب والمؤلفين.
كما علق العلامة الانكليزي وردسورت على الرواية بقوله: " إن الملائكة تخشى ان تطأ أقدامها حيث وطأت قدما شكسبير، بيد ان الدكتور سعاده يسير هناك بغير هياب ولا وجل ".
وأجمل تفريط لروايته هذه، كان ما كتبه احد كبار الانكليز وهو ما يلي: " ان اللغة العالية التي كتبت بها هذه الرواية، ومخيلة مؤلفها المبدعة ونسقها البديع، تدلنا ان مؤلفها رجل من مشاهير روائيي انكلترة، تستر تحت اسم مستعار ".
وفي نفس الوقت كان صاحب الترجمة مراسلاً رسمياً للجريدة الانكليزية " ستاندرد " فنشر فيها مقالاته الرنانة عن الشرق وعن احوال مصر الخاصة، واتحفَ الصحف الوطنية بمقالاته السياسية الادبية والعلمية على اختلافها، التي كان أثرها بعيد المدى بالغ العمق.
وفي عام 1906 نشر رواية " اسباب الثورة الروسية " ورواية " اسرار الباستيل " وكتب تحفة رسائله الادبية " سهم من كنانة " التي ردّ فيها على يعقوب صروف وفارس نمر في " المقتطف " وهي تعتبر من اروع آثاره النفسية.
وفي عام 1907 ترجم اجيل " برنابا " من التكليزية الى العربية، الا انه كان شديد التأثر من المقدمة التي كتبها ناشر الكتاب رشيد رضى، الذي شوّه محاسن النقل، بما كتبه من اراء لا تتفق والغاية التي نشر الانجيل لاجلها، حتى ان اصدقاء الدكتور سعاده، عاتبوا الشيخ على ذلك، ولكن كان قد سبق السيف العزل، وطبع الانجيل قبل ان يؤخذ رأي المترجم بذلك.
وفي عام 1911 اصدر " معجم سعاده " في اللغتين العربية والانكليزية، وقد اشتهر هذا القاموس بمعطياته العلمية الدقيقة ومسطلحاته الجديدة المبتكرة، وهو من اوسع المعاجم وافضلها، ومما يؤسف له، انه لم يتسنى للمؤلف تعميم نشره في العام العربي.
وفي خلال اقامته في مصر، انهم عليه الخديوي عباس حلمي باشا، برتبة البكوية، قدراً لجهوده ونشاطاته العلمية والادبية والانسانية، إلا انه كان لا يستعمل هذا اللقب، ولم يعرف به المواطنون فيما بعد في هذا المغترب إلا صدفة.
وفي هذه الاثناء تعرّف على سعد زغلول باشا، فاعجب به الرجل الكبير وقدره حق قدر . . ويظهر ان علاقاته المتنية بقادة الفكر المصريين وحاملي لواء ثورتها، اغضب عليه ذوي السلطان الخديويين، فابلغوه عدم رغبتهم ببقائه في مصر، واذا لم يكن في وسعه العودة الى سورية، حيث كان مغضوياً عليه من قبل الاتراك، اضطر الى مغادرة مصر الى الارجنتين في مطلع عام 1914.
وفي بوينوس ايرس عاصمة الارجنتين اصدر مجلته المشهورة " المجلة " فتلفقتها الجالية هناك بكل فخر، ولاقت انتشاراً كبيراً بين المغتربين في الاميركيتين، لما كانت تحتويه من المواضيع السياسية والفكرية والوطنية. وعندما رأى من المواطنين في الارجنتين تجاوباً مع افكاره ودعوته، أسّس " الحزب الديمقراطي الوطني " وغايته مقاومة الاحتلال الاجنبي ونيل الاستقلال، وجعل شعاراً له " الاستقلال او الموت " وكان له في هذا الحزب مآثر خالدة، تشهد له له بطول البال في القاء بذور الوعي والحماس والوطنية، هذا فضلاً عن نشره في العالم خطبه السياسية الرنانة، بواسطة الراديو والبرق، فكانت الدوائر السياسية العالمية تحترم رأيه وتكبر فيه روح العظمة والطموح الى الحرية والاستقلال.
وفي بوينوس ايرس ايضاً، ترأس المؤتمر الوطني السوري الاول، الذي احدث انعاقده دوياً في عالمي السياسة والوطنية.
وفي مطلع عام 1919 دعاه احد كرام الجالية في سان باولو، صديقه ونسيبه السيد جورج قربان الى زيارة البرازيل، فلبى الدعوة. واستقبلته الجالية استقبالاً لائقاً رائعاً، ورجته البقاء في سان باولو فقبل طلب اصدقائه، وأصدر بعد فترة قصيرة في سان باولو، صحيفته الاسبوعية النارية باسم " الجريدة " عام 1920 ثم جعلها يومية، فلقيت اقبالاً شديداً.
وفي عام 1923 اعاد اصدار " المجلة " فكانت من ارقى المجلات في العالم العربي، حملت خلاصة آرائه العلمية وآرائه السياسية ومبتكراته الادبية البليغة.
وفي عام 1925 نقل روايته الشهيرة " قيصر وكليوباطرة " من الانكليزية الى العربية، واسندت اليه رئاسة محفل
" نجمة سورية " الماسوني، فاستقبلت الدوائر الماسونية البرازيلية العليا خبر انتخابه رئيساً بكل بهجة وحبور، نظراً لمعرفتها مقدرته ونبوغه وما قام به من خدمات جليلة.
وفي اول عام 1930 كلفته عمدة الرابطة الوطنية السورية في البرازبل، ان يتولى رئاسة تحرير جريدتها " الرابطة " فقام على تدبيج مقالاتها الراقية، وظل يقوم بذلك خمس سنوات متوالية بدون انقطاع، حتى ساعاته الاخيرة.
كان الدكتور سعاده يجيد الانكليزية كأرقى ابنائها كتابة وخطابة وله اطلاع واسع عميق على دقائق اللغة العربية وآدابها، ويحسن اللغتين اللاتينية والفرنسية، ويلم باللغات الاسبانية والبرتغالية والتركية.
ترك آثاراً كتابية لم تنشر بعد، بينها رواية " انطونيو وكليوباطرة " باللغتين العربية والانكليزية، ومقالات مسهبة في الفلسفة والادب والاجتماع والسياسة. وقد عني في اواخر ايامه بدرس النظرية النسبية لاينشتين، وقرأ بعمق مؤلفات هذا العالم، ولخّص بدقة باللغة العربية، النظرية المذكورة التي عسر على كثير من العلماء فهمها، وهي لا تزال محفوظة بين مخطوطاته النفيسة.
كان الدكتور خليل سعاده كبير الروح كبير العقل، جباراً في هيكل متين، اناف على السبعين دون ان يشكو مرضاً، وقد شاء ان يختبر بنفسه طريقة التطبيب بالصيام، من الوجهتين العلمية والطبية، فصام مدة ثلاث وأربعين يوماً. وقد وافته المنية بعد افطاره بخمسة ايام، فلم تدع مجالاً لاسعافه بالعلاجات الواقية . . وهكذا اسلم روحه وقضى شهيد العلم والجهاد القومي.
وقد نعته الرابطة الوطنية السورية التي كان رئيسها الشرفي الى الجالية السورية والعالم العربي بالعبارات البليغة التالية:
" هوى من سماء العروية كوكب متألق، واعترى الخسوف بدر الوطنية السورية المنير، وتهدم ركن من اركان الادب العربي الرفيع العماد، وسطاً الموت على احد قواد الجند المجاهد في سبيل الحرية والاستقلال، وحضرت الوفاة زعيماً من زعماء النهضات القومية في العالم العربي.

مـات الدكتـور سـعاده
في الساعة السابعة والنصف من مساء أمس العاشر من نيسان الجاري، انطفأت تلك الشعلة المتقدة.
فالرابطة الوطنية السورية، تذيع هذا النعي على الجالية السورية خصوصاً، والعالم العربي عامة، وملء أفئدة أعضائها الحزن والاسف والاسى وسيشيع الجثمان الساعة الخامسة من مساء اليوم الاربعاء، من الكنيسة الارثوذكسية السورية الى جبانة سان باولو، عزى الله قلوب الأمة عن فقده.
سان باولو في : 11 نيسان 1934

وصدرت الصحف العربية والوطنية صباح ذلك اليوم حاملة بين انبائها هذا النبأ الفادح، فروعت الجالية على اختلاف أقاليمها لهذا الخطب الجسيم، واكبرت هذا المصاب الاليم، وتقاطر افرادها زرافات ووحداناً لزيارة الجثمان العزيز، وعلى وجوه الجميع علامات الكآبة وفي عيونهم تترقرق دموع الحزن العميق.

شاعر الضيعة اميل مبارك

" شـاعر الضيعـة " الشـاعر اميـل مبـارك
الامين لبيب ناصيف

" لم يبق طويلاً منتظماً في الحزب. كان ضخم البنية. ظريف وفَكه. شِعره الزجلي يحكي الطبيعة والجمال ".
هذا ما يقوله الأمين عبدالله قبرصي عن " شاعر الضيعة " إميل مبارك، الذي، وإن لم يستمر طويلاً في الانتظام الحزبي، وربما توقف مع توقف الرفيق فريد مبارك (1) إلا أن صحف الحزب في أواخر الأربعينات عرفت جيداً قصائد الشاعر مبارك ، ومثلها القوميون الاجتماعيون الذين نشطوا في تلك المرحلة.
في كتابه " الحصاد المر " (ص 128) يورد الرفيق إبراهيم يموت عن الشاعر "الرفيق" إميل مبارك فيقول : " في العدد الثاني لشهر نيسان 1945 من نشرة عمدة الثقافة والفنون الجميلة باقة صغيرة من الزهر الفواح تتمثل ببضعة أبيات من الشعر العامي للشاعر القومي إميل مبارك يقول فيها :

بيت زغيـر بلحـف شـقيف أنــا ومـرتـي وولادي
وبصلـة وزيتـونة ورغيـف عـنـدي أحـسـن زوادي
اشـتقت لـزقـزقة العصفـور ولـريـحـة هـوا بـلادي
بـدّي ارجـع لـمّ زهـور عـن ضفـة نـهر الـوادي

ترى من منا لا يطرب لهذا الشعر فلا ينتقل معه إلى القرية والعصفور ونهر الوادي ؟
لم تكن نشرات عمدة الثقافة وحدها التي كانت تنشر للشاعر "الرفيق" إميل مبارك ، إنما كانت مجلة " الواجب " التي أصدرها الرفيق فريد مبارك في العامين 1947-1948 غنيّة بدورها بقصائد للشاعر إميل مبارك الذي أطلق عليه الصحافي الأديب رزق الله الحلبي (2) لقب " شاعر الضيعة " لأن معظم شعره يدور على وصف القرية اللبنانية .
وإذا كان الرفقاء الذين عايشوا العمل الحزبي في الأربعينات يذكرون جيداً قصائد الشاعر "الرفيق" إميل مبارك ، إلا أن أبناء أمتنا ، ولبنان خاصة ، الذين كانوا يطربون للأغاني الرائعة التي دأبوا على تردادها ، والتي كانت من ألحان الموسيقي جورج فرح (3) هي لشاعر موهوب ، اعتبره الأب روفائيل نخلة ، اليسوعي ، " نابغة الشعر اللبناني العامي " (4) .
منها :
ضيعتنـا غامـرهـا النـور
مشـرورة عـا راس التـل
مـدخلهـا درج زهــور
بتـشـوف جل بضهر الجل
بـحواضـا ورد ومنـتـور
بتضحكـلـك لمـن بتـطلّ
وبيـدوزن صوتو العصفـور
عـا شــلال موّيتـنــا
* * *
وأخرى:
كنـت زغير وصـرت كبير
برَمـت قطـار المسكونـي
غني عشـت، وعشـت فقير
وشـفت كتيـر بزمـانـي
ومـا في عـا بالـي بيعنّ
غيـر البيـت الربـانـي
* * *
ولد إميل مبارك في بلدة عينطورة (كسروان) عام 1901. بعد أن أنهى دراسته في مدرسة عينطورة للأباء اللعازاريين، عمل ثلاث سنوات في شركة السكة الحديد، وفي العام 1922 انتقل إلى التدريس في مدارس حكومية.
صدر للشاعر مبارك ديوانه " أغاني الضيعة " عام 1946 في مصر، وقدم له حبيب جاماتي، ثم طبعة ثانية، فثالثه عام 1954 على نفقة الحكومة اللبنانية.
يقول الأستاذ جوزف أبو ضاهر في العدد 39 – صيف 2001 – من مجلة " الأوديسيه " : " منتصف الأربعينات من القرن الماضي ظهرت أول أغنية تحمل توقيع إميل مبارك مؤلفاً ويوسف أسعد شهوان ملحناً. وقبل أن تصل إلى ستوديوات الإذاعة اللبنانية أنشدت على مسرح سينما برودواي (جونية) أمام لجنة من الإذاعة ضمّت بين أعضائها الشاعر الياس أبو شبكة.
" وحين سكت الكلام واللحن، وقف الجميع مصفقاً بفرح فاق التوقعات ومشت شهرة الأغنية أمامها فتمّ تسجيلها وبثها عبر الأثير لتصل إلى مستمعين جدد في لبنان وعالم الاغتراب ".
وفي مذكراته " حكاية قرن "، الصفحة 174 يروي أمير الزجل الرفيق الشاعر وليم صعب ما يلي :
" وفي الساعة الثالثة بعد ظهر الخميس 11 نوار 1944 اجتمعت اللجنة المكلّفة الحكم في مسابقة " راديو الشرق " للزجل عن شهر نيسان، وكانت مؤلفة من شاعر الأرز شبلي ملاط، الشاعر ميشال بشير والشاعر الزجلي عجاج المهتار (5) وبعد تلاوة المسابقات التي بلغت الست والثلاثين، ودرسها بدقة، قررت اللجنة بالاتفاق أن تعطي الجائزة الأولى للشاعرين إميل مبارك ومالك شحيبر طوق ، فتقسم بينهما بالتساوي " (6) .
يروى أن شاعر القطرين خليل مطران قال له وكان حاضراً للحفلة التكريمية التي أقيمت للشاعر مبارك بعد صدور ديوانه في القاهرة عام 1946 : " أنا نظمت مئة قصيدة حتى استحقيت لقب شاعر، وأنت من أول قصيدة سموك شاعر ! ".
لم يحصر الشاعر مبارك قصائده في وصف الضيعة، " فتحوّلت شعراً والزجل زهراً ولوناً ولحناً "، كما يقول الأديب والصحافي فاضل سعيد عقل في ملحق " النهار " بتاريخ الأحد 8 تشرين أول 1967، إنما كان أيضاً يقرض الشعر الانتقادي، ويهاجم بجرأة الساسة المرتكبين :

ع شـعب آمـن مـيـن قلـك تفتـري رجفـة إيديـك ملطخـة بـدم البـري
حاجـي تـجمع مال، دقـت سـاعتـك ربـع سـاعة عمـر ما فيـك تشـتري

وأمام أركان الدولة عام 1947 ولمناسبة نقل رفاة الأمير بشير الشهابي الكبير من اسطنبول إلى قصر بيت الدين ، قال مخاطباً رفاة الأمير :

إنـت انطويـت وانطـوت رايـاتنـا وحامـت طيـور السّـود فوق أرزاتنـا
جوجل عضامك يا بو سـعدى وانتفض نـحنـا بحاجــة اليــوم لأمـواتنـا
قوم شـوف كيف الأرز ع كتف الجبل يبسـت شـلوحو وانقطع منـو الأمـل
قوم شوف كيف العدل عاف المحكمـة وع لوح بـاب الـمقبرة اسـمو نقـل
* * *
اقترن الشاعر "الرفيق" إميل مبارك من السيدة أدال زعتر من مدينة زحلة ، وهي كانت حائزة على شهادة الحقوق من الجامعة اليسوعية في بيروت . رزق منها بولدين : صبي وبنت .
فارق " شاعر الضيعة " الحياة مساء الاثنين 2 تشرين أول من العام 1967 ، ونقل جثمانه إلى عينطورة (كسروان) مسقط رأسه ، حيث ووري الثرى .

هوامش
(1) من كسروان . تولى في الحزب مسؤوليات عديدة محلية ومركزية . كان أديباً وكاتباً وخطيباً .
(2) من " قب الياس "، مؤسس مجلة " قب الياس " عام 1936 التي تابعت إصدارها ابنته السيدة سامية حلبي قرداحي.
(3) رئيس القسم العربي في المعهد الموسيقي. ملحن معروف.
(4) مجلة " المشرق " عدد أيار – حزيران عام 1955 .
(5) هو الأمين عجاج المهتار أحد المناضلين المميزين في الحزب السوري القومي الاجتماعي، كما زوجته الرفيقة سورية كرم المهتار. كان شاعراً زجلياً معروفاً وله عدة دواوين، منها " الزوبعة " و " قلب الحياة ".
(6) كان الشاعر المشارك يسجل اسماً مستعاراً على المسابقة. المسابقات الخمس التي نالت العلامات العالية كانت بأسماء، أنا (إميل مبارك)، غريب (مالك طوق)، ريفي، جرير، مهاجر.

نماذج من قصائده الشائعة، من ألحان الموسيقي جورج فرح

السـكوت

لـمن شـافـتني تنـهّدت من دون حكي
ورغـرغـت بالـدمع، قصدا تشـتكي
واحمّـر ورد خدودها، وتكـيت خجـل
ومـن غصـتي ما قـدرت قلاّ شـو بكي
* * *
ضميـت واقف، وهي كمـان وقفت معي
رحنـا ما قلنـا لا رجـاع ولا رجعـي
وتنَيْنـا بـها الوقـت كنـا بلا وعـي
عرفنـا شـو حكيو قلوبنا من التكتكي
* * *
لا هـي حاكتنـي ولا طلع مني حكي

ودّي يـا بـحر

ودّي يـا بـحـر ودّي
طـوّلنـا بغـيـبتـنـا،
ودّي سـلامي لبيت جدّي
وللتـوتي البـيـدارتنـا
* * *
ودّي لأهل الضيعا سـلام
وخبرهـن عـن حالتنـا،
وشـفلي إنكان بعدا الأيام
بتـذكر .. يما نسـيتـنا ‍!
* * *
يا ضيعة ما بنساكي
يـا ضيعـا مـا بنسـاكي وما بنـسـى الـدار،
ومـش قادر عيـش بلاكي لـو مـهـمـا صـار
بعـدك مثـل مـا تركتك يــا ضيـعـتـنـا
فيكـي صفصـاف البـاكي وشـجـرات الغـار !
* * *
يـا ضيعتنـا ما بنسـاكي ولـو غبـت شـهـور،
وما بنسـى طيـب فـواكي وأرز الـمشــهـور
بعـدا النحلـي بتهـواكي وبتـشــم زهــور،
وبـحواضك ورد التـاكي مـفـتـح زرار !
* * *
الحاكورة
يا ريت عنـدي حاكورة، وكـرم وعرزال،
ورحـمـة الله بتكفيـني، ما بـدي مال !
لـو إن الأرض فراشـي، والليـل لحاف،
كنت بعيـش عيشـي هنيّي، مرتاح البال !
* * *
بسـرّب بلاقي القـدري بعـدا عالنـار،
بـلاقي مرتي وولادي كانـوا بـمشـوار
بلاقـي الكلـبي ملقوحـة قـدام الـدار
وإمي عا حجـار العتبـي بايـدا المغزال ‍!
يا ريت عندي حاكورة ، وكرم، وعرزال !

خطاب الزعيم في حفلة القوميات الاجتماعيات عام 1938

خطـاب الزعيـم في حفل للرفيقات القوميـات الاجتماعيـات عام 1938 (*)

ليس العمل القومي وقفاً على الرجال. لن يكون العمل قومياً حتى تشترك فيه المرأة وتكون عضواً عاملاً فيه. وإنني عندما فكرت بإمكانيات رجال سورية، فكرت ايضاً بإمكانيات المرأة السورية، التي كانت في أدوار تاريخنا الخاص، عاملاً أساسياً في تقدمنا ورقينا، وفي تلك المدنية التي وزعناها على العالم.
قد يعجز الرجل أن يدرك بعقله ما تستطيع المرأة أن تدركه بقلبها. وكما يجب على الرجل أن يعمل في سبيل أمتنا، كذلك نريد المرأة أن تكون عضواً عاملاً في مجتمعنا. نحن في حاجة شديدة الى المرأة. إنني أهنىء السوريات القوميات، هؤلاء اللواتي قد ابتدأن هذه الحياة القومية، وفتحن السبيل لأخواتهن السوريات اللواتي نتوخى منهن أن ينضممن الى الحزب السوري القومي الاجتماعي بالاندفاع ذاته الذي صار مع الرجل.
إنني مسرور بهذا الاجتماع الصغير بعدده، والكبير بمعنوياته. اذا كان الرجال يشتغلون ويفكرون بعقولهم، فالنساء يفكّرن بقلوبهم وهذا التفكير الاحساسي أو هذا الاحساس التفكيري وهذا الاحساس المجرد من كل تفكير، هو شيء جوهري في كل نهضة، وبغيره لا نستطيع الوصول الى غايتنا.
ان لهذه الحفلة معنى كبير عندي، أشعر أنني مدين به لهن.. لقد عملن في السر وفي العلن بما يستطعنه لخدمة القضية القومية، وقضية الحزب، وكانت نتيجة ذلك، هذا السيف المقدم لي. وأعتقد أنه مقدم لي بفكرة جلية واضحة، وأنني أقبله أيضاً بفكرة جلية واضحة.
قد لا نستعمل هذا السيف في الحروب، ولكنه الرمز، إنه الرمز للقوة التي لن نبلغ أهدافنا بدونها.
إن قضيتنا ليست قضية منطق، فخصومنا يدركون أن لنا حقوقاً، ولكن هذا الإدراك لا يعطينا حقوقنا، فالحقوق هي نتيجة نزاع الجماعات. واذا لم نسترجع حقوقنا بالقوة فعبثاً نسترجعها، لذلك سنكون مستعدين للدفاع عن حقوقنا.

*- عن الاعمال الكاملة، الجزء الرابع، ص 54.

المعلم رزق الله الحلبي ومجلة قب الياس

المـعلـم رزق اللَّـه الحلـبـي
ومجلـة " قب اليـاس "

في اكثر من مكان تحدثنا عن مجلة " قب الياس "، المسـتمرة بالصدور بفضل السـيدة سامية قرداحي، وعدد جيد من الغيارى الذين يريدون للمجلة ان تستمر، وهي باتت تشكل مرجعاً جيداً لتاريخ بلدة قب الياس، في الوطن والمهجر، و" شيخة المجلات المناطقية " كما حكى عنها الرفيق جان داية في كتابه: " المعلم والصحافي والاديب رزق الله حلبي "، الصادر عن منشورات قب الياس، بتاريخ 1996.
في مقدمتـه يضيء الرفيق جـان دايـة عن المعلـم رزق الهر حلبي فيقول:
هل اقصد تشـبيه رزق حلبي بالمعلّم بطرس البسـتاني؟ نعم ولا ! نعم، فبطرس قد لقّب بالمعلّم، لأنه أسّـس
" المدرسـة الوطنية " في زقاق البلاط – بيروت عام 1863، وكان المعلم الاول فيها، اضافة الى ادارته لها. وهو ظل كذلك طيلة عشرين عاماً. وكان أولاده في عداد طلابها- باسـتثناء سليم الذي درّس فيها – وقد سـاواهم بسـائر الطلاب.
وبالمقابل انتمى رزق الله حلبي الى المدرسة الاميركية في قب الياس ( البقاع ) عام 1925 بصفة مدرّس اللغة الفرنسية، وسرعان ما اصبح مديراً لها طيلة ثلاثين عاماً. ولكنه ايضاً بقي معلمها الاول. وتلقت بناته العلوم الابتدائية والتكميلية فيها، فضلاً عن التربية، من غير اي تمييز او امتياز، على حد تأكيد بعض طلابها القدامى.
واسس المعلم البستاني مجلة " الجنان " وجريدتي " الجنة " و" الجنينة " خلال ادارته لمدرسته وتعليمه فيها وهو استوحى اسماءها من اسم عائلته. صحيح ان ابنه البكر سليم كان يساعده في ادارة وتحرير الدوريات وبخاصة " الجنان " . . ولكن بصماته واضحة في جريدته الرئيسيّة " الجنّة " خصوصاً في افتتاحياتها .
أما المعلم حلبي، فقد اسس ايضاً مجلّة " قب الياس " مستعيراً اسمها من اسم البلدة التي كان يدرّس فيها، وقد استوطنها بديلاً عن زحلة التي " هاجر " منها حين قرر احتراف مهنة او ابالاحرى رسالة التدريس. ومن يعرض اعداد المجلة منذ عامها الاول ( 1936 ) حتى لحظة رحيل مؤسسها في العام 1989، يتبين له أن هيئة تحريرها كانت مؤلفة من رجل واحد هو الصحافي رزق الله حلبي.

وبالمناسبة، فإن الرجلين بدآ الصحافة هواية. ولم يحترفاها تماماً كما كانت حال احمد فارس الشدياق ويعقوب صروف وجرجي زيدان. كان البستاني يكتب في جريدته، في الوقت الذي كان التدريس عنده احترافاً. وحلبي احترف التدريس، في الوقت الذي كان يحرر مجلته من الغلاف الى الغلاف، ويساهم في تحرير بعض الدوريات الأخرى.
وكان المعلم بطرس مارونياً. ولكنه اعتنق البروتستانتية اثر احتكاكه ببعض اركانها مثال القس ايلاي سميث الذي صار يعرف باسم عالي سميث.
ولم يكن ايمانه الجديد لمصلحة شـخصية، حتى اذا انتفت المصلحة، انتهى الايمان، كما كان حال الانجيليين في بلادنا. لقد اسـتمر اعتنـاقه المذهب الانجيلي حتى توقف خفقـان قلبه. وخلال ذلك، اشـترك في تأسـيـس جمعية دينية في بيروت وكان المسـؤول الاول فيهـا، اضافة الى نيله رتبة دينية وإلقـائه الاحاديث والعظات الدينية خلال الصلوات.
وبدوره كان رزق الله حلبي روم كاثوليك. ونتيجة لقائه بالقس موسى قرداحي في الدرجة الاولى، اعتنق المذهب الانجيلي، وصار احد اركانه في لبنان. نال لقب شيخ. وألقى أحاديث كثيرة في عدة اذاعات وفي اماكن الصلاة. وهو حررّ في مجلّة الانجيليين " النشرة " تماماً كما فعل من قبله المعلم بطرس. وبالطبع، بقي انجيلياً حتى لامس الله قلبه، على حد تعبير القس سليم صهيوني اثر وفاته.

ومن النقاط المشتركة بين المعلّمَين، المثالية اللامحدودة، والمترافقة مع مجموعة فضائل كالمحبّة والتضحية والتسامح. واذا تجلّت هذه الفضائل نظرياً في العديد من كتاباتهما . . فإنها تجسّدت تماماً في سلوكهما اليومي وخصوصاً مع طلابهما في المدرسة. وهي حقيقة يجدها دارسو البستاني وعارفو حلبي، بسهولة.
وبتأثير من المذهب الانجيلي، تجنّب الصحافيان الهاويان اي حوار تصادمي خلال كتاباتهما ما استطاعا اليه سبيلا. والظاهر ان الانجيليين يؤثرون عدم كتابة اية كلمة تندرج في قاموس العنف الفكري. صحيح ان المعلم بطرس قد استدرج الى بعض الحوارات التصادمية، خصوصاً مع احمد فارس الشدياق والقس لويس صابونجي. ولكنه سرعان ما طوى صفحة السجال، منصرفاً الى ابداء آرائه بلغة هادئة وبمضمون مبدئي موضوعي غير مرتبط بالاشخاص. اما المعلم رزق الله، الذي تلقى سـلسـلة من الاستفزازات وحتى التعديات خلال اصداره مجلته، فقد تجنب قدر المسـتطاع الاجـابة عليها. ولكنه، كالمعلـم بطرس، ردّ على القليل منها، ومن غير التوقّف الطويل عندها.

واذا قرأنا ما كتبه رزق الله حلبي في مجلته رداً على الحرب الاهلية التي اشتعلت نيرانها في عموم لبنان عام 1975 ، نتذكّر ما كان المعلّم بطرس قد كتبه في نشرته ذات الصفحة الواحدة والمعنونة " نفير سورية " رداً على حرب 1960 الاهلية التي بدأت في جبل لبنان وامتدت نيرانها الى دمشق. اتسمت الحربان الاهليتان باللون الطائفي. ونتج عنهما خسائر فادحة في الارواح والممتلكات. أما ردّ البستاني وحلبي فكان واحداً لجهة رذله الطائفية وتأكيده على احلال الوحدة الوطنية الحقيقية مكان الاقتتال المذهبي. ويستحيل سبر غور الالم الذي سببّته الحرب الداخلية لديهما بسبب عمقه اللامتناهي. لعل الفرق الوحيد هنا بين البستاني وحلبي، ان الاول تسنى له التمتع بنعمة السلم الاهلي، ربما لأن فتنة الستين لم تعمّر كثيراً، ولأنه كان في مطلع شبابه. في حين رحل الثاني قبل اتفاق الطائف، فيما كان على مشارف الثمانين، في الوقت الذي كان قد مضى على الحرب ثلاث عشرة سنة.
ثمة نقاط مشتركة أخرى كثيرة ليس مجال عرضها في هذه المقدّمة الخاصّة بكتاب متمحور على رزق الله حلبي فقط. لذلك أكتفي بما ورد، لأنتقل الى بعض الفوارق أو أهمّها، قبل أن يتهمني بعض النقّاد بالمبالغة، مع ان بعض ذلك البعض سوف يطلق عليّ مدفعية اتهاماته، كما فعل يوم صدر لي " جبران تويني وعصر النهضة".
لو شئت تلخيص الفوارق او معظمها وأهمها، وجمعها في حيّز مشترك، لقلت انها تتمثل في المرتبة او الرتبة. فالمعلم بطرس كان رائداً نهضوياً، بل رائد الرواد. والمعلّم رزق الله كان من رعيل الاحفاد في الحقل النهضوي. الاول حقق انجازات اضخم بكثير من التي حققها حلبي، من مثل دائرة المعارف، التي هي اول انسيكلوبيديا باللغة العربية. وانجازات حلبي، على كثرتها وأهميتها، جاءت متواضعة بالمقارنة مع الانجازات البستانية. ولكن ذلك لا يعني ان بعض انجازاته لم تكن موازية لما انجزه البستاني، وتحديداً في حقلي التعليم والدين. بل يمكنني القول، انطلاقاً من معرفتي بالمعلّمين، ان حلبي قد حقق في المجالين الروحي والتعليمي والتربوي اكثر مما حققه البستاني.
بعبارة أخرى، فإن قامة المعلم البستاني النهضوية اكبر بكثير من القامة التي عرف بها المعلم رزق الله. ولكن القامتين نهضويتان. كلاهما من مدرسة واحدة.
لذلك، اطلقت على رزق الله حلبي لقب المعلّم، وقارنته بالمعلّم بطرس، ولم احصر اللقب في النطاق التعليمي- التربوي كما بات محصوراً عندنا في القرن العشرين، بل اطلقته وعمّمته على اكثر من ورشة نهضوية، وفق ما كان يعنيه في القرن التاسع عشر.
***
ان تعدّد الحقول التي نشط فيها رزق الله حلبي وكتب عنها، تجعل من المستحيل حصره في قمقم كتاب واحد. وبالمقابل يمكن ان يتمحور الكتاب الواحد حول ابرز محاور كتاباته وأعماله، وباختصار شديد. وباعتبار ان هذا الكتاب هو الباكورة، فهو يعتبر الحلقة الاولى، بحيث ان السلسلة يمكن ان تتألف من ثلاثة كتب أخرى يتناول كل واحد منها محوراً أساسياً من أعمال حلبي ونتاجه. فالكتاب الذي نحن بصدده يلخص الكتب العتيدة الثلاثة، ويتناول الصحافة والتعليم والدين لدى حلبي.
أما الصحافة، فإن المرجع الرئيسي عنها مجلة " قب الياس " التي اصدرها منذ الثلاثينات ولم بوقفها خلال الحرب رغم انها " مناطقية "، وان العديد من الدوريات البيروتيـة قد توقّف عن الصدور والبعض بصورة نهائية. ولكن حلبي لم يبدأ الكتابة الصحفية منذ العام 1936، بل انه بدأ كتابة المقـالات والتحقيقـات قبل ولادة مجلته بحوالي عشـر سـنوات. لذلك، كانت كتاباته الصحفيّة في " قب اليـاس " وغيرها من الدوريات المرجع الرئيسـي الذي ارتكزت عليه فصول هذا الكتاب. وبالطبع فإن عارفيه وأهله، فضلاً عن الوثائق غير المنشورة من رسائل ومذكرات، شـكّلت المرجع الاسـاسي الآخر، واذا كانت " قب الياس " مصدر المعلومات الاول للكتابة عن قب الياسيّة حلبي وبقاعيته، فإنها أيضاً كانت المرجع الرئيسي للكلام على رزق الله حلبي الصحافي، ناهيك بدراسة المجلّة والاضاءة على ابرز ما تميّزت به وما حققته من سبق صحفي رغم تواضعها كمؤسـسة صحفية. من هنا كانت المقالات المعنونة: " شيخة المجلات المناطقية " و" قب الياس للقب الباسيين " و" قب الياس للبقاعيين ولسائر اللبنانيين " و" جبران خليل جبران " و" كتّاب المجلة المتبرعون ".
أما رزق الله الحلبي المدرّس والمربّي، فقد خصّصت له مقالاً مستفيضاً، وهو الذي يستأهل كتاباً باعتبار ان التدريس والتربية كانا الكفة الراجحة في ميزان أعماله وكتاباته.

وهنا، غدت مجلة قب الياس مرجعاً ثانوياً قياساً لمجلة " النشرة " التي كتب فيها سلسلة مقالات تربوية – تعليمية، ناهيك بالمرجع البشري الذي تمثّل في بعض طلابه وعلى رأسهم الشاعر جورج واصاف والسيد منيف المعلّم.
ولما كان الدين محوراً رئيسياً آخر في حياة حلبي ونتاجه، فقد خصصّت له مقالاً مستقلاً. واذا كانت بعض كتابات حلبي المحفوظة أو المنشورة مصدراً للمعلومات في هذا المجال، فإن القس سليم صهيوني والشيخ يعقوب حوراني شكّلا مصدر المعلومات الآخر. وهنا لا بدّ من التنويه بالمعلومات الغنية التي تلقيتها من بنات رزق الله حلبي اللواتي تسنى لي الاجتماع بهنّ:
سامية، وكوزيت، وآمال. ومعلوماتهن لم تقتصر على الشأن الديني، بل تخطته الى الشؤون الأخرى، من صحافية وحياتية وتربوية – تعليمية.
وعلى ذكر افراد عائلـة رزق الله حلبي، فإن العلاقة المميـزة بين اعضائها، وبخـاصة بين عميدها من جهـة، والزوجة والبنات والاصهرة والاحفاد، دفعني الى تخصيص فصل كامل عنها.
وتبقى بدايات حلبي الصحافية، التي خصصت لها مقالين، نظراً لأهميّتها. وباعتبار أن ارشيفه لا يحتوي على اي شيء منها، فقد تمكّنت من نبش نماذج عنها من بعض الدوريات اللّبنانية المحفوظة في المكتبة الشرقية التابعة للجامعة اليسوعيّة.
ومن عناصر النهج الذي اتبعه في الدراسة، الارتكاز على المعلومات الدقيقة والثابتة قبل اصدار أي حكم، وتجنّب المبالغة والمديح، رغم انهما سمة معظم الدراسات التي تتناول سير الرواد.
ولما كان أرشيف حلبي يعج بالمخطوطات وبخاصة الرسائل التي خطّ بعضها عدد من المشاهير، فقد رأيت نشر نماذج منها في الصفحات الأخيرة من الكتاب، إلى جانب بعض الصور.
وأخيراً، لو جئت أختصر رزق الله حلبي في خمس كلمات، لما وجدت أفضل من " رفة جناح " سعيد تقي الدين حيث يؤكد فيها بأن " الرجل الكبير لا ينتهي بمأتم ".

الكتاب من الحجم الوسط، 231 صفحة، ومحتوياته:

• الفصل الاول
- المقال الأول: البدايات
- المقال الثاني: البدايات

• الفصل الثاني
- المربي

• الفصل الثالث
- المقال الاول: شيخة المجلات المناطقية
- المقال الثاني: قب الياس للقب الياسيين
- المقال الثالث: قب الياس للبقاعيين وسائر اللبنانيين
- المقال الرابع: كتّاب المجلة المتبرعون
- المقال الخامس: جبران خليل جبران
• الفصل الرابع
- الشيخ رزق الله حلبي

• الفصل الخامس
- نفير لبنان

• الفصل السادس
- الزوج والاب والجد

تاريخ اسر العناحلة

تـاريـخ اسـر العـناحلـة

قليلون يعلمون أن من الكتب القيمة التي تؤرخ للعائلات في لبنان والشام هو كتاب " تاريخ اسر العناحلة " للمؤرخ فريد ابو فاضل، والاقل منهم من اطلع على ان عائلات كثيرة في لبنان والشام منتشرة في العديد من المناطق والبلدات امثال الحلو، مخلوف، كيروز، القاصوف، ابو حمد، بعقليني تتحدر من بلدة " عين حليا " قرب الزبداني ( الشام ) التي منها نزحت الى مناطق في لبنان و الشام، وتفرعت منها عائلات اخرى.
الحديـث عن اسـر العنـاحلـة لا يختصـر في صفحـات ، وهو سـفر قيّم يجدر اعادة طباعتـه ووضعـه مجـدداً بتصرف المهتميـن بتاريـخ الاسـر التي كان لها دورها في تاريـخ المنطقـة .
اذ نعرض عن الكتاب ومؤلفه المؤرخ فريد ابو فاضل، نتوجه بالشكر الى الرفيقين نسيب ذهبية، وشربل عفيفي، اللذين كان لهما الفضل في حصولنا على تلك المعلومات.

من هو المؤرخ فريد خليل شـاهين ابو فاضل ؟
ولد مؤلف تاريخ اسر العناحلة في نابيه قضاء المتن الشمالي في 09 آذار 1908، أبوه خليل يوسف شاهين سمعان أبو فاضل، والدته انيسة ابنة المحامي والقاضي المعروف المرحوم حنا الزغبي من قرنة شهوان.
تعلم في مدرسة القرية وفي مدرسة مار يوسف الاكليريكية في قرنة شهوان حين درس اللغات العربية والسريانية والفرنسية واللاتينية.
انهى دروسه في المدرسة الوطنية في بعبدات سنة 1926 – 1927، وكان مدة وجوده فيها يرأس تحرير مجلتها الادبية الاسبوعية " صدى الوطنية " وقد ذكر ذلك الكونت فيليب دي طرزي في كتابه تاريخ الصحافة العربية صفحة 124 حيث قال: " صدى الوطنية " منشئها فريد خليل شاهين اذ كان معروفاً بهذا الاسم أول نشأته. وكان تأريخ ظهورها في 27 آذار 1927 .
تزوج أول مرة، ابنة عمتـه جميلة، المرحومة روزلي خليـل الحاج سـماحة من الخنشـارة، فأنجب منهـا اربع بنات وصبياً هم: وداد ونهاد وسـعاد، ورياض والصغيرة جهاد. وقد توفت زوجته الاولى روزلي في اول نيسـان سـنة 1944.
واقترن بالسيدة اوديت فيليب افرام البستاني، من دير القمر، ومن سكان بيروت، في 16 نيسان سنة 1947 فانجب منها ولده الصغير بسام في 5 تموز سنة 1949 .

أعمـالـه
• بدأ مهنة التعليم سنة 1927-1928 في مدرسة الآباء العازاريين في بحرصاف، وعلم في مدارس الاباء الكبوشيين في ضبيه وجل الديب وفي مدرسة مار الياس الانطونية في انطلياس حتى سنة 1937.
• أسـس مدرسـة " انطلياس " وأدارها من سنة 1938 حتى أواخر 1949. علّم اللغة العربية في البطريركية الارمنية في انطلياس.
• ادار جريدة العلم الاسبوعية في بيت شباب وتولى رئاسة تحريرها سنة 1930.
• اصدر مجلته الشهيرة " الرياض " ادبية روائية جامعة، فكانت الصحيفة الاولى التي صدرت عن انطلياس في اول نيسان 1931، وبقيت تصدر حتى آب 1934 اذ اضطر ان يحجبها.
• عمل رئيس تحرير ومحرراً وسكرتير تحرير في اشهر جرائد بيروت اليومية والاسبوعية، ادبية وسياسية، نذكر منها: " قاديشا، رقيب الاحوال، نداء الوطن، الرواد، المجالس المصورة وغيرها ". وله مقالات كثيرة في جرائد الملحقات والمهجر وقد راسل جريدة افريقيا التجارية في دكار- السنغال، والارشاد في اللاذقية والجريدة اللبنانية السورية في الارجنتين.
• تسلم خلال الحرب الكونية الثانية سنة 1942 – 1946 رئاسة فرقة " دعاية ونشر " حليفة للمندوبية الفرنسية في لبنان وسوريا فكانت له مواقف خطابية مشهورة، حيث حلّ في القرى اللبنانية والسورية وفي معاهدهما العلمية.
• أنشأ جمعية شباب نابيه – وترأسها بضع سنوات.
• ساهم في تأسيس " نادي انطلياس " وترأس لجنته الادبية وانتخب نائباً لرئيسه وكان خطيبه الرسمي الدائم.
• كان عضواً في " جمعية التضامن الادبي " في بيروت والقى فيها محاضرات.
• منح ميدالية الاستحقاق اللبناني الفضية ذات السعف، مكافأة لخدمته التربية طوال عشرين سنة متوالية وذلك سنة 1948.
• وبقي يتابع رسالته التربوية والصحفية والادبية الى ان توفي في 19 آذار 1961 في انطلياس.

مؤلفـاتـه
في ادب الرواية:
- الحسناء العربية – ارينب بنت اسحق مطبوعة
- ليعش ابي – لبنانية ادبية وقعت حوادثها في الحرب الاولى مخطوطة
- رجل الثورة – بقلم مستر تشرشل – تمثيلية مترجمة عن الانكليزية مخطوطة
- تنصر النعمان – ملك الحيرة – تاريخية مخطوطة
في التاريخ:
- تاريخ اسر العناحلة ومراحل التاريخ اللبناني (1420- 1954) مطبوع
- من زوايا التاريخ اللبناني- فصول من التاريخ اللبناني 1959 معدة للطبع
- موجز تاريخ لبنان القديم والحديث – 1950 مخطوط
- انطلياس في التاريخ، لمحة موجزة عن آثارها، ديرها، زراعتها مطبوع

في الرحلات:
- الى يوغوسلافيا نشرت
- الى بشري والارز نشرت
- الى صيدنايا نشرت
- الى معلولا نشرت

مؤلفات أخرى:
• قصص من لبنان - مجموعة اقاصيص من قلب المجتمع اللبناني معدة للطبع
• مذكراتي العامة عن الحرب الاولى – 1914 معدة للطبع
• في سبيل الحرية – ( ادب – قصة – تاريخ ) 1945 مخطوطة
• كيف نربي اطفالنا – يبحث في التربية من المهد الى اللحد مخطوطة
• من صميم البيئة: رسوم تشتمل على نقد ادب واجتماع معدة للطبع
• مختارات: نثر سياسي، نسائي، اجتماعي معدة للطبع
• اوتار: ديوان شعر مخطوط

محتـويـات الكتـاب
نكتفي بالعناوين الكبرى دون العناوين الصغرى عند كل فصل من فصول الكتاب، فهذه كثيرة جداً، ويمكن ارسالها لمن يرغب.

أسر العناحلة
مقدمة الكتاب: مراحل التاريخ اللبناني:
أولاً: جغرافية لبنان قبل سنة الستين
ثانياً: لبنان السياسي: من الفينيقيين الى عهد الاستقلال الناجز
الجزء الأول
- العناحلة وعين حليا،
- أسباب نزوحهم الى لبنان، مقدميتهم، تسلسل عائلاتهم

• الفصل الاول :العناحلة وعين حليا
• الفصل الثاني: اسباب نزوح العناحلة عن بلدتهم الاولى: مصادر وروايات
• الفصل الثالث: صلات العناحلة بلبنان وبشري
• الفصل الرابع: عهد المقدم رزق الله العنحلي
• الفصل الخامس: مقدمية العناحلة
• الفصل السادس: بعض مقدمي بشري المسيحيين، وخلاف الموارنة واليعاقبة
• الفصل السابع: تسلسل عائلات العناحلة ونزوحها الى قرى مختلفة في لبنان وسورية

الجزء الثاني
- أحفاد يوسف بن جمعة ابو نار: آل الحلو ومشاهيرهم

• الفصل الاول: من حصرايل الى عينعنوب فبعبدا ووادي شحرور وجزين في وادي شحرور
• الفصل الثاني: بيت صادر الحلو، ومشاهيرهم
• الفصل الثالث: فروع الحلو في كسروان
• الفصل الرابع: فروع الحلو في الشمال
• الفصل الخامس: فروع الحلو في قضاء المتن
• الفصل السادس: فروع الحلو في الجنوب
• الفصل السابع: فروع الحلو في مشتى بيت الحلو- في العلويين سورية

الجزء الثالث
- كيروز بن جمعة ابو نار
• الفصل الاول: فروع عائلة كيروز
• الفصل الثاني: حنا ضاهر كيروز
• الفصل الثالث: مخلوف بن كيروز
• الفصل الرابع: ابو فاضل كيروز
• الفصل الخامس: الخوري كيروز
• الفصل السادس: ابو ملهب كيروز
• الفصل السابع: غريب وبعقليني كيروز
• الفصل الثامن: دياب كيروز
• الفصل التاسع: سعاده كيروز
• الفصل العاشر: بيت الحداري – دير القمر
• الفصل الحادي عشر: بيت ابو نار في الصفرة – الفتوح -

الجزء الرابع
- خليفة بن جمعة ابو نار
• الفصل الاول: نزوح خليفة بن جمعة ابو نار وابنائه عن بشري
• الفصل الثاني: بيت نصار خليفة في عندقت - عكار
• الفصل الثالث: بيت الوردة، وعبود الخوري ومفرج خليفة في ذوق مكايل وصربا وغيرهما
• الفصل الرابع: بيت لطفي خليفة

الجزء الخامس
- حنوش بن جمعة ابو نار
• الفصل الاول: بيت غرّه في زحله
• الفصل الثاني: بيت هلال
• الفصل الثالث: بيت حنوش وابو ديب
• الفصل الرابع: زيارة عين حليا

الجزء السادس
- فرع يزبك بن جمعة ابو نار
• الفصل الاول: آل المقوِّم ونضين والقاصوف وقيامه وبدر
• الفصل الثاني: بيت القاصوف
• الفصل الثالث: بيت قيامه وبيت بدر في ضهور الشوير

الجزء السابع
- فرع الحلياني ابو نار
• الفصل الاول: الحلياني ابو نار في راشيا: لمحة تاريخية
• الفصل الثاني: فروع الحلياني ابو نار في راشيا
• الفصل الثالث: فروع العين الحلياني ابو نار في قطنا
• الفصل الرابع: مشاهير بيت الحلياني في عالم الدين وتآليفهم

المـلاحـق
ملحق اول: نظام جامعة العناحلة
أعضاء مجلس ادارة جامعة العناحلة 1947 - 1949
أعضاء مجلس ادارة جامعة العناحلة 1950 – 1954
ملحق ثانِ: الادباء وتأريخ العناحلة
1- كلمة المؤرخ الاستاذ جرجي نقولا باز
2- كلمة المؤرخ المدقق الاستاذ لحد خاطر
3- كلمة الاديب الاستاذ رئيف خوري

طرابلس الشام (3)

طـرابلـس الشـام
جولـة مصـورة في البطاقـات البريديـة (الحلقة الثالثة والأخيرة)
الرفيق بدر الحاج
طرق المواصلات

في مطلع القرن العشرين، كانت الطرق الداخلية في المدينة عبارة عن ازقة ضيقة لا تصلح لمرور العربات. وكانت الطريق الرئيسية الوحيدة تبدأ من المنطقة القريبة من بوابة الحدادين وتقطع المدينة من دون رصيف. ولم يكن لهذه الطريق إسم، وإنما كانت تسمى باسم المحلات التي تمر بها مصل بوابة الحدادين، والعطارين، والصاغة، والبازركان، والملاحة، والجسر، والتبانة. وكانت الأزقة التي تتصل بهذه الطريق ترابية، وقد تمّ رصفها بالحجر الاسود سنة 1922.
وكان يوجد في المدينة مركزان للبريد والتلغراف. يقع الاول في الميناء، وكانت تتم عبره الاتصالات الدولية باللغات التركية والعربية والفرنسية. اما المركز الثاني فكان يقع في ساحة التل، وكانت تستعمل فيه بصورة عامة اللغتان العربية والتركية في الاتصالات الداخلية.
أما خارج المدينة فقد كانت الطريق المؤدية إلى الميناء ضيقة، وكان الاهالي يتنقلون بواسطة الحمير. وفي اوائل سنة 1879 امر مدحت باشا والي سورية بالعمل على تحسين الطريق، فدفع اغنياء المدينة الى تأسيس شركة مساهمة برأسمال كاف لإنشاء طريق جديدة تسير عليها المركبات التي تجرها الأحصنة والبغال. فجرت تلبية طلبه وتأسست الشركة، وتمّ تدشين الطريق في شباط 1880.
وكانت العربات الخمس التي استحضرت من بريطانيا للاستعمال على هذا الخط تضم عربتين بطابق علوي واثنتين من دون طابق وواحد مكشوفة. وكانت تنطلق ذهاباً واياباً من المحطة الرئيسية في ساحة التل بالقرب من فندق " بهجة الشرق " وتجتاز المسافة إلى المحطة الواقعة من الناحية الشرقية للميناء في حوالي العشرين دقيقة وبأجرة مقدارها متليكان وتدريجياً، انتشر العمران على امتداد هذا الخط الذي توقف عن العمل في اواخر الثلاثينات حتى اصبحت السيارات الوسيلة المفضلة للنقل. وكان هناك خط آخر يربط منطقة التل بباب التبانة، وكانت العربات تخترق حي الزاهرية باتجاه عمق المدينة القديمة.
وأسس مدحت باشا ايضاً في حزيران 1879 شركة أخرى تعمل على نمط خط طرابلس - الميناء، وخصصت لأجلها عربات تجرها أربعة بغال، كانت تؤمن السفر بين طرابلس وحمص مرتين في الاسبوع قاطعة مسافة 97 كيلو متراً. ولاحقاً تمّ تنظيم رحلات يومية بين المدينتين. بعد إقصاء مدحت باشا، نجح الوالي الجديد احمد باشا سنة 1883 باستثمار هذا الخط الذي انشيء بنظام السخرة. وكانت الشركة تحتكر حق نقل الركاب والبضائع واستيفاء الرسوم على قوافل الحيوانات المحملة التي تعبر هذه الطريق. وكانت العربة الواحدة منها تتسع لـ 12 راكباً، يجرها خمسة من الاحصنة او البغال. وتستغرق الرحلة من طرابلس الى حمص 11 ساعة، كانت اجرة الراكب من طرابلس الى حمص وبالعكس ثلاث مجيديات. اما حافلات نقل البضائع، فكانت ذات الاربعة دواليب يجر الواحدة منها ثلاثة بغال. وكانت تنطلق رحلة واحدة في اليوم مؤلفة من سبعة مواكب وكل موكب يتألف من سبع عجلات، وتستغرق الرحلة ثلاثة ايام ذهاباً وثلاثة اياباً.
أما الخطوط الحديدية، ققد كان من السهل إنجاز خط حديد طرابلس - حمص نظراً الى عدم وجود عوائق مستعصية كما هي الحال بين بيروت ودمشق. لكن الاولوية بالنسبة الى الفرنسيين كانت فتح خط بيروت - دمشق حيث تمركزت مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية.
بدأ العمل على انجاز خط طرابلس - حمص في 16 آذار 1910 من قبل شركة فرنسية، وتمّ تدشينه في 19 ايار 1911. وخلال الحرب العالمية الأولى إقتلعت قضبانه الحديدية لإستعمالها في تجديد خط بغداد - نصيبين، ثم أعيد الخط الى ما كان عليه سنة 1921.
اما الطريق بين طرابلس وبيروت فكانت حتى العام 1909 عبارة عن طريق لعربات الديليجانس التي تجرها الحيوانات. وكانت الرحلة تستغرق 16 ساعة، كما كانت العربات تصل الى بلدة البترون فقط، وكان على الركاب بعد ذلك استئجار الخيول أو البغال وإكمال طريقهم نحو طرابلس بالالتفاف حول جبل الشقعة باتجاه قلعة المسيلحة، وذلك بسبب عدم تمكن عربات الديليجانس من عبور العوائق الجبلية في المنطقة.
إلا ان الطريقة الأفضل للإنتقال من بيروت الى طرابلس كانت تتم بواسطة السفن. كانت بواخر شركة المساجري الفرنسية تسافر ظهر كل يوم اثنين من بيروت الى طرابلس وتعود منها الى بيروت في اليوم التالي. وكانت بواخر شركة الخديوية المحدودة تسافر من بيروت ظهر كل يوم ثلاثاء الى طرابلس وتصل الساعة الرابعة بعد الظهر، اما بواخر شركة موسيلين البريطانية فكانت تغادر بيروت ظهر كل يوم اربعاء الى طرابلس ثم الى اسكندرونة، وكانت بواخر شركة فلوريو روباتينو الايطالية تغادر بيروت مساء كل يوم جمعة باتجاه طرابلس وتعود منها في اليوم التالي. اما الوابور المسكوبي فكان يغادر بيروت يوم الجمعة.
وكانت الطرق التي تصل طرابلس بالميناء مكونة من ثلاثة شوارع رئيسية: الاول شارع عزمي نسبة الى الوالي التركي عزمي باشا وقد تمّ انجازه سنة 1915. والثاني هو شارع المائتين الموازي لشارع عزمي وقد شقته شركة سكة الحديد سنة 1912. والثالث هو شارع الميناء الذي يبدأ من تل الرمل وينتهي في المنياء. وبعد الحرب العالمية الثانية شق شارع الكنائس على اطراف المدينة، وتمّ إزالة بعض المباني القديمة من اجل ذلك. وعلى هذا الشارع تقع ابرز ثلاث كنائس: الكاثوليكية والارثوذكسية والإنجيلية. اما الطريق المعروفة بطريق البحصاص فتبدأ من السراي القديمة التي كانت قائمة في ساحة التل وتمتد جنوباً بااجاه البحصاص، ولها فرع يمتد الى باب التبانة ثم يتصل بطريق حمص.
اما خط سكة حديد طرابلس – بيروت فتعود فكرة إقامته الى العسكريين البريطانيين في فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية، ففي سنة 1941 باشر البريطانيون بمشروع إقامة خط حديدي يربط حيفا ببيروت وطرابلس وذلك بهدف نقل الجنود والمعدات العسكرية. ونفذ القسم الممتد بين بيروت وطرابلس الفرع الهندسي التابع للقوات الاوسترالية، وتمت الاستعانة بشركة مختصة من جنوب أفريقيا لحفر نفق جبل الشقعة. وبدأ العمل في هذا الخط في كانون الاول 1942.

نهر أبو علي
شكّل نهر ابو علي عنصراً أساسياً في حياة مدينة طرابلس منذ إستيطانها الاول في القرون الغابرة وحتى يومنا هذا. فهو ينبع من سفح جبل الارز، ويُعرف في مسيره الاول باسم قاديشا نسبة الى وادي قاديشا الذي يجري فيه.
يرفد النهر نبعان: الاول يتفجر من اسفل بلدة بشري، والثاني من تحت دير قزحيا. ويلتقي المجريان في اسفل الوادي الضيق حيث تصب جداول كثيرة من الجبال المحيطة بالوادي اضافة الى مياه نبعي رشعين وجوعيت بالقرب من بلدة زغرتا.
يتبدل إسم النهر عند اختراقه مدينة طرابلس فيصبح نهر ابو علي، وهو مأخوذ من إسم فخر الملك ابي علي بن عمار، آخر قضاة أسرةٍ حكمت طرابلس في العصر الفاطمي ( 492 – 501 هـ ) عشية بدء الحملات الصليبية على سورية.
شهدت منطقة مجرى النهر عبر المدينة تغييرات جذرية بسبب الفيضانات الكثيرة التي دمرت المباني القديمة والجسور. وأشار عدد من المؤرخين الى فيضانات عدة للنهر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ففي 8 ايار 1946 حدث فيضان تهدمت بسببه دار بجوار جسر طربيه قرب سوق الخضار.
وفي 17 كانون الاول 1956 جرفت مياه الفيضان قناطر مياه طرابلس القديمة التي بناها الصليبيون وهدمت البيوت وجسر السويقة القديم، وغمرت الطواحين التي كانت منتشرة على ضفتي النهر. وفوجئ سكان المنازل هناك، وفي الاحياء المجاورة، بسيل كاسح بلغ علوه من أرض النهر ستة امتار، إقتحمها إقتحاماً مفاجئاً مريعاً لم يترك لهم فرصة للنجاة. وتدفقت المياه الى جميع احياء المدينة وشوارعها، وطغت على المخازن والمصانع والاحياء في السويقة والزاهرية.
وفي منطقة البحصاص حيث كان يوجد جسران أحدهما جديد تمر عليه العربات المتجهة نحو بيروت، ولآخر قديم مهجور، كان للطوفان أثره أيضاً إذ دمّر الجسر الجديد وجرفت المياه سطح الجسر القديم.
أما جسر اللحامين أو اللحامة الذي كان يصل المدينة بضفتيها الشرقية والغربية فقد انهار أيضاً خلال طوفان سنة 1956. وكذلك دمر العديد من المطاحن التي كانت قائمة قرب مجرى النهر.
ونتيجة الدمار الذي احدثه الطوفان والخسائر البشرية التي قاربت 112 قتيلاً و90 مفقوداً، جرى تنظيم جديد للمدينة القديمة، وشق طريق عريض يمتد من محلة المولوية حتى برج رأس النهر في الميناء. وكان مشروع تنظيم مجرى النهر بمثابة الكارثة الكبرى التي اضيفت الى كارثة الطوفان. فقد تمّ تدمير قسم رئيسي من النسيج العمراني التاريخي الجميل للمدينة، وانتشرت نتيجة لذلك موجة من المباني العشوائية القبيحة.

الـتـل
منطقة التل هي المركز الرئيسي لمدينة طرابلس الآن. كانت هذه المنطقة في القرن التاسع عشر عبارة عن تل رملي يقع الى الجانب الغربي من المدينة ويشرف على بساتين البرتقال والساحل ويؤمّه المواطنون للتنزه.
تحول هذا الموقع الى مركز اداري للسلطة ومقر للحاكم العثماني. وفي الفترة ما بين 1880 وبداية الحرب العالمية الأولى توسعت المدينة خارج الاحياء القديمة وفتحت الطرقات من منطقة التل باتجاه الميناء والداخل السوري ونحو الجنوب باتجاه بيروت. كما تمّ تشييد العديد من المباني، فأقام مفتي المدينة مصطفى كرامي مسجداً بالقرب من منتزه التل لأنه رأى أن من الصعوبة إقامة فرض صلاة المغرب بمعزل عن مرتادي المنتزه. كما انشأ مدحت باشا مقهى الفوقانية على رابية التل العليا بعد ان احاطه بجدار حجري، وجرى تشييد السراي الحكومي سنة 1890 والذي كان يعتبر اول بناء خارج ابواب المدينة بعد بيت الحسيني.
وكذلك شيدت الساعة العمومية، ودار البريد، ومحطة الترام والعديد من المباني التي ضمت القنصليات والمصارف والفنادق والمخازن التجارية. وبنى حسن الآغا رئيس الشرطة في المدينة مسرحاً فوق مخازنه يتسع لخمسمائة مقعد.
وبمناسبة اليوبيل الفضي للسلطان عبد الحميد الثاني 1902، جرى جمع مبلغ من المال من الاهالي وساهمت البلدية بقسم آخر وكلف المهندس التركي في المتصرفية يوسف بك تصميم مبنى لإقامة ساعة عامة الى الغرب من ساحة التل. وشيد المبنى بارتفاع ست طبقات وبرأس هرمي الشكل وبعرض يتراوح ما بين 15 و20 قدماً وبارتفاع مئة قدم وثبتت في كل جهة من جهات المبنى الاربع ساعة. ويتميز البناء الذي لا يزال قائماً حتى الآن بتأثره بنماذج فن الباروك الذي كان سائداً في اوروبا، والذي قام العثمانيون بتقليده في العديد من مبانيهم. وبلغت التكاليف 1500 ليرة عثمانية.
ويقول وفيق التميمي ومحمد بهجت في كتاب " ولاية بيروت " ان منطقة التل كانت تشهد ازدحاماً هائلاً من الناس والمركبات التي كانت تضطر للتوقف في الطريق الموصلة الى الميناء حتى تتمكن من المرور. اما في الليل فكان ينار التل اكثر من ستين مصباحاً.
ويشير حكمت بك شريف في كتابه " تاريخ طرابلس – الشام من اقدم زمانها الى هذه الايام " الى ان مدينة طرابلس " كانت تنار ليلاً بزيت الغاز المعروف- بالبترول – ففي البلدة نحو 600 فانوس وفي الاسكلة نحو 200 فانوس ".
كما يشير الدليل السياحي الفرنسي Guide Bleu الصادر سنة 1932 الى النشاط الكثيف في منطقة التل التي تحولت الى مركز رئيسي للمدينة ومنطلق للتظاهرات والنشاطات الوطنية. ويضيف أنّ المنطقة تضم العديد من الفنادق كفندق " رويال " لصاحبيه أسمر وطويل (20 – 25 سريراً)، وفندق " نيو رويال " لصاحبه حبيب بركات والذي تحول الى " حكيم بالاس اوتيل " لاحقاً، وكذلك فندق " البلازا " ( 20 – 25 سريراً)، وفندق " السنترال " لصاحبه احمد خالد، و" الخديوي " بالقرب من السراي على الطريق الى بيروت، و" الاحرار " خلف السراي. وسبق أن اشار وديع ابو فاضل في كتابه " دليل لبنان " الى فنادق اخرى في ساحة التل هي فندق " بهجة الشرق" وفندق " طرابلس الكبرى"
وفندق " انكلترا ".
وضمت ساحة التل أيضاً قاعتي سينما والمكتبة السورية لصاحبها جوزف زبليط ومكتبة إدمون عبود ومكتبة عبد الله الرفاعي.

• الكتاب مجلد، حجم كبير، من 268 صفحة. يحتوي على مئات الصور القديمة عن طرابلس، بأحيائها وشوارعها ومنتزهاتها ودور العبادة وغير ذلك من اماكن يفيد أن يطلع عليها كل مهتم من ابناء المدينة والشمال كما كل لبنان والمنطقة.
انه كتاب يفيد الاطلاع عليه واقتناءه، وقد أخذ جهداً كبيراً من مؤلفه الرفيق بدر الحاج، وصدر عن دار "نكتب". سعر المجلد 75 دولاراً أميركياً.

طرابلس الشام (2) الابواب، المساجد، الابراج، المدارس، والمنتزهات

طـرابلـس الشـام
جولـة مصـورة في البطاقـات البريديـة ( الحلقة الثانية )
الرفيق بدر الحاج

الابواب، المساجد، الأبراج، المدارس، والمنتزهات
تركز استيطان التجمعات البشرية الكبرى على طول الساحل السوري حول مجاري الانهار، ولم تشذ عن هذه القاعدة مدينة طرابلس التي يخترقها نهر ابو علي الذي تقع على ضفته اليسرى تلة ابو سمرا. أما منطقة القبة فتقع على الضفة اليمنى، وقد تميزت هذه في مطلع القرن العشرين بالبيوت ذات النسق الحديث المطلة على المدينة وبساتينها.
كانت المدينة مطوقة ببساتين البرتقال والزيتون، وكان طولها من الشمال الى الجنوب يقارب الكيلومترين، وعرضها من الشرق الى الغرب حوالي الكيلومتر. أما البيوت فكان عددها في مطلع القرن العشرين "عشرة الاف بيت ثلثها من الطراز الحديث". وبلغ عدد السكان سنة 1912 ما يقارب الثلاثين الفاً.
وكان طرفا المدينة متصلين بواسطة جسور عدة يعود بعضها الى المرحلة الرومانية مثل جسر القناطر القديم وجسر السويقة، بينما يرجع بعضها الآخر الى الحقبة العثمانية. وقد هدمت هذه الجسور بفعل الفياضانات المتكررة، وبصورة خاصة فيضان سنة 1956.
*
الأبواب
وكان للمدينة خمسة أبواب تقفل عادةً عند مغيب الشمس، وهي لجهة الجنوب باب الرمل المطل على مقبرة باب الرمل قرب جامع أرغون وقد أزيل هذا الباب عندما شقت البلدية شارع الراهبات. وباب الحدادين قرب قهوة موسى في باب الرمل، وقد أزيل أيضاً. وباب الحديد الذي أزيل وكان يقع على الطريق المؤدية إلى المولوية. وباب السراي أو التل الذي ظل قائماً حتى الحرب العالمية الأولى، ثم أزيل من اجل توسيع الشارع. وباب التبانة الذي يقع بجانب جامع محمود بك.
*
المساجد
احاط العمران بالجامع المنصوري الكبير الذي أمر ببنائه السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 1294، وأكمل بناءه الملك الاشرف ابن المنصور. يعتبر هذا المسجد اول مساجد طرابلس، وهو يقع تقريباً في وسط المدينة على الضفة اليسرى من نهر ابو علي. وتوزعت من ابوابه الاربعة الاسواق المؤدية الى محلة باب الرمل وسوق العطارين وبوابة الحدادين وسوق الصاغة.
كما انتشرت المساجد الاثرية العديدة في المدينة والتي أحصي منها 14 مسجداً سنة 1912، وعدد مماثل من الكنائس إضافة الى كنيس يهودي واحد.
ومن المساجد الرئيسية القديمة مسجد عبد الواحد المكناسي الذي شيّد سنة 1305 ويقع خلف سوق الصاغة، وجامع البرطاسي الذي سمي نسبة الى بانيه عيسى بن عمر البرطاسي وقد شيّد سنة 1325 في المنطقة التي تتوسط محلتي السويقة وباب الحديد. اما مسجد طينال الذي شيّد سنة 1336 من قبل نائب السلطنة في طرابلس سيف الدين طينال الحاجب، فيقع الى جانب مقبرة باب الرمل على الضفة اليسرى لنهر ابو علي. وجامع العطار الذي بناه سنة 1335 الشيخ بدر الدين العطار احد العطارين الاثرياء ويقع في سوق البازركان بالقرب من بركة الملاحة. وجامع الاويسية الذي يعود تاريخ بنائه الى سنة 1460 على يد محي الدين الاويسي احد شيوخ الطريقة الاويسية الصوفية، ويقع عند طلعة القلعة في محلة الصاغة. وجامع التوبة او جامع الناصري، نسبة الى السلطان الناصر بن قلاوون والذي يعتقد بأنه أنشيء اثناء ولايته، وقد بني ما بين 1309 و1341، ويقع على الضفة اليسرى لنهر ابو علي في محلة الدباغة. وجامع ارغون شاه الذي يرجح بأنه بني من قبل نائب السلطنة في طرابلس أرغون شاه الإبراهيمي المتوفي سنة 1399، ويقع في شارع صف البلاط عند الطرف الغربي من المدينة على الطريق المؤدية الى باب الرمل، وغيرها من المساجد.
ويحصي عمر تدمري في كتابه " تاريخ طرابلس السياسي والحضاري " 114 موقعاً معمارياً أثرياً في المدينة، تتوزع بين المساجد والحمامات والخانات والاضرحة والمدارس وسبل المياه وغيرها. اما بعثة الاونيسكو فقد أحصت سنة 1954 فقط ما مجموعه خمسة وثلاثون موقعاً من المرحلة المملوكية، وقد أزيل بعضها بسبب شق الطرقات وتوسيع الشوارع.
*
الابراج
وبالاضافة الى بناء القلعة والمساجد والأبنية الاخرى، عمد المماليك إلى بناء الأبراج على شاطئ البحر بهدف الدفاع عن المدينة. والمتداول بين معظم الرحالة الغربيين ان عدد هذه الابراج ستة، لكن المصادر العربية تقدم لنا صورة أشمل وأدق. يذكر الادريسي في كتابه " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق " برج ابي عدس في المنطقة الواقعة الى الشمال من البداوي، وهناك برج راس النهر الذي كان يقع عند الطرف الغربي من مصب نهر ابو علي، وبرج برسباي وهو الوحيد القائم حتى الآن ويقع بالقرب من الشاطيء في الميناء، وبرج الشيخ عثمان او التكية ويقع عند الطرف الشرقي للميناء. وقد بيع هذا البرج من قبل الدولة الى الحاج عثمان علم الدين فهدمه وأزال معالمه وبنى مكانه عمارة مربعة الشكل.
وهناك كذلك برج الفاخورة أو القناطر وكان يقع بين برجي السباع والشيخ عثمان بالقرب من محطة سكة الحديد وبيع الى نقولا كرم من تجار الاسكلة فأزال معالمه وأقام مكانه بناء كبيراً. وبرج المغاربة او برج عز الدين الذي كان قائماً عند الطرف الغربي من الميناء بجوار مطعم الشاطئ الذهبي وإبتاعه من البلدية التاجر مصطفى عز الدين فإستبقى العقود القديمة واقام فوقها بناء مؤلفاً من ثلاثة مساكن. وبرج الديوان أو السراي ( المعروف أيضاً باسم برج ايمتش نسبة الى الأمير البجاسي الذي امر ببنائه ) وكان يقع على مسافة 300 متر من برج الشيخ عثمان واتخذته الحكومة اللبنانية كمركز للشرطة وخلال حوادث 1958 تعرض للنسف، ويقوم مكانه الآن مسجد عمر بن الخطاب. أما البرج الأخير فهو برج البحصاص الذي كان قائماً عن مدخل طرابلس الجنوبي وكان ولا يزال موجوداً حتى العام 1335 وقد اشار اليه ابن الشحنة في كتابه " الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب ".
*
المدارس
كان التدريس في طرابلس في النصف الاول من القرن التاسع عشر يتم في تكايا المساجد حيث يعقد الشيوخ حلقات دراسية لتعليم اللغة العربية والصرف والنحو والخط، وكذلك العلوم الدينية كالحديث والفقه والسيرة. وبرزت في هذا الاطار مدارس وتكايا عدة كالمدرسة القرطاوية ، والناصرية، والشمسية، والخيرية، والنورية، والطوشية، والقرقية، والعجمية، والزريقية وغيرها.
وبعد صدور الدستور العثماني سنة 1840 والسماح بحرية العمل للمؤسسات التعليمية الاجنبية، دخلت الارساليات الغربية الى كافة المدن السورية بشكل مدروس ومنظم. وكانت سنة 1852 عام الانطلاق بالنسبة الى الرهبان الفرنسيسكان في مدينة طرابلس حيث افتتحوا مدرسة بالقرب من دير القديس فرنسيس في الميناء.
اما سنة 1854 فكانت بداية عمل المرسلين الانجيليين في ميدان التدريس فافتتحوا في الميناء مدرسة في ملك نائب قنصل اميركا انطونيوس يني، وهو اول انجيلي في طرابلس. كما افتتحوا مدرسة اخرى للبنات سنة 1856 وكانت بادارة سعدى غريغوري، واقفلت حوالي الثلاث سنوات ثم اعيد إفتتاحها سنة 1873. كما إفتتحت رسمياً المدرسة الانجيلية للصبيان سنة 1900 وتغير مكانها عدة مرات، وكان موقعها في الزاهرية ثم انتقل سنة 1904 الى بناية توفيق بك ( حالياً بناية راشد سلطان ) وفي عام 1912 إستقرت في موقعها الحالي في القبة حيث تعرف باسم المدرسة الانجيلية للبنين.
وفي سنة 1863 شهدت طرابلس افتتاح مدرسة راهبات المحبة " العازارية " في حي النوري، وكانت الدروس فيها باللغتين الفرنسية والعربية اضافة الى دروس دينية مسيحية وفق المذهب الكاثوليكي. كما ظهرت مدارس أخرى كالمدرسة التهذيبية في الميناء والمدرسة الوطنية التي اسست سنة 1873 والمدرسة العلمية.
وفي سنة 1878 أسست شعبة المعارف في طرابلس، وقد أوقف مدحت باشا والي سورية بعض العقارات الأميرية على هذه الشعبة كي تصرف من ريعها على المؤسسات التعليمية التي افتتحها ومنها المدرسة الرشيدية والمدرسة الابتدائية ومكتب العطار ومكتب محلة النوري وباب التبانة ومدرسة الجامع وغيرها.
وعند زيارة التميمي لطرابلس سنة 1917، كان هناك مدرسة دار معلمين، ومدرسة سلطانية للذكور، وأخرى إعدادية للإناث، وعشر أخرى إبتدائية منها خمس للذكور وخمس للاناث.
وأسس أخوة المدارس المسيحية (الفرير) سنة 1890 مدرسة شيدت على أنقاض دير الكبوشيين في الزاهرية ولا تزال قائمة حتى اليوم. أما الآباء الكرمليون فقد أسسوا مدرستهم أيضاً في الزاهرية، وبدورهن فإن راهبات الاحسان أسسن في أواخر القرن التاسع عشر مدرسة لا تزال المنطقة التي اقيمت فيها تعرف حتى الآن بحي الراهبات.
ودخل الروس وإرسالياتهم التبشيرية الأرثوذكسية مجال التنافس مع الانجيليين والكاثوليك، وافتتحت الجمعية الامبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية سبعاً وثمانين مدرسة في جميع انحاء سورية منها اربع مدارس باشرت أعمالها سنة 1887 بين طرابلس والميناء. وكانت هذه المدارس تدرّس اللغتين العربية والروسية الى جانب الحساب والتاريخ والجغرافيا والتعليم المسيحي وفق المذهب الأرثوذكسي. وقد توقفت هذه المدارس عن العمل سنة 1914 بسبب دخول روسيا الحرب ضد الدولة العثمانية، ثم ألغيت نهائياً بعد انتصار الثورة البلشفية سنة 1917.
*
المنتزهات
كان من أبرز منتزهات طرابلس قديماً منتزه التل في جانب المدينة الغربي، وهو يشرف على البحر وبساتين البرتقال والحديقة التي كانت تتوسط دار الحكومة والمنازل الحديثة الطراز. وكان يؤم هذا المنتزه علية القوم وكبار العائلات منذ مطلع القرن العشرين.
ومن المنتزهات أيضاً مقام البداوي الواقع على بعد حوالي ثلاثة كيلو مترات إلى الشمال من المدينة. يحوي هذا المنتزه حوض مياه يبلغ محيطه، كما يذكر حكمت بك شريف في كتابه " تاريخ طرابلس الشام " نحو 80 ذراعاً
" وفيه الأسماك التي تلمع كالفضة الناصعة ويقصده الناس للفرجة والنزهة ".
ويذكر الرحالة الفرنسي لويس لورته ( Louis Lortet ) الذي زار المدينة سنة 1875 أنّ القنصل الفرنسي في طرابلس السيد بلانش ( Blanche ) وهو أيضاً عالم طبيعيات متميز، يعتبر أنّ اسماك حوض البداوي هي من نوع Capoeta Tractercula أو السمك النهري كما يسميه الطرابلسيون. ويضيف أن من عادات السوريين إعتبار هذا النوع من الاسماك مقدساً، ولذلك يمنع صيده أو أكله، ويعتقد لورته ان هذه القناعة لدى المواطنين تعود إلى التاريخ القديم حيث تميّز الآشوريون بمثل هذا المعتقد.
وجاء في دليل سياحي فرنسي نشر سنة 1860 أن منتزه البداوي يحتوي العديد من الاشجار الباسقة وآلاف الاسماك.
ويذكر بروس كوندي في كتابه " شاهد لبنان " أنه احصى سنة 1960 ما يقارب الألفي سمكة في حوض البداوي، وأن المتنزهين كانوا يقومون على تغذية الاسماك ولا يأكلونها احتراماً للتقاليد القديمة. ويضيف كوندي انه في الفترة المملوكية أقيم مبنى الدراويش بالقرب من حوض المياه، على نمط معماري صليبي شبيه بكنيسة القديس أنطونيوس البادواني ( St. Anthony of Padua ). ويعتقد المؤلف بأن التسمية جاءت من هنا. وقد أقيم حديثاً مسجد بالقرب من ذلك الموقع.
ومن منتزهات طرابلس القديمة ايضاً البحصاص، وهي المنطقة الواقعة جنوبي المدينة حيث كانت تتواجد عيون المياه التي كان يستقي منها الاهلون.
*
الكتاب مجلد من 270 صفحة من الحجم الكبير، ويحتوي على مئات الصور لمدينة طرابلس في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين.

سعاده في ضيافة عبود سعاده

سعاده في ضيافة عبود سعاده في الأرجنتين

كنا بتاريخ 11/02/2010 قد نشرنا من كتاب الرفيق جان دايه " تجربة فخري معلوف " ما ورد عن المواطن عبود سعاده، وأشرنا اننا سنورد لاحقاً ما جاء عن المواطن المذكور في الجزء الثاني من كتاب الأمين نواف حردان "سعاده في المهجر".
يروي الأمين نواف حردان عن زيارة سعاده الى مدينة كوردوبا، يقول:

في 10 كانون أول 1940 يغادر فندق " لس كوكس " الى فندق آخر، حيث لقيه المواطن عبود ابراهيم سعاده، صديق الدكتور خليل سعاده، القديم، فيدعوه للاقامة في منزله في مدينة كوردوبا القريبة (قرطبة) فيقبل الدعوة.
والسيد عبود سعاده من بلدة قاره - النبك في الجمهورية الشامية. غادر بلده وهو في العشرين من عمره فوصل الارجنتين عام 1918 وأقام في مدينة كوردوبا حيث بدأ يتعاطى التجارة فنجح فيها نجاحاً كبيراً وصار من الأغنياء.
كانت علومه بدائية يُحسن القراءة والكتابة فقط، ولكنه كان ذكياً طموحاً، فأقبل على المطالعة والدرس حتى توفرت لديه ثقافة لا بأس بها. وكان يميل للهندسة والعلوم الكهربائية فراح يدرسهما على نفسه حتى المّ بأسرارهما.

عرف الدكتور خليل سعاده والد الزعيم بعد مجيئه الأرجنتين وانشائه مجلة "المجلة" فأصبح من اصدقائه وأكبر المعجبين به، وعندما سمع بأن نجله أنطون أنشأ حزباً في الوطن دعاه الحزب السوري القومي، وان السلطات الفرنسية سجنته واضطهدت معاونيه، تحمس كثيراً وصار يؤيد الحزب دون أن يعرف شيئاً كثيراً عنه.
وعندما علم ان أنطون سعاده قَدِمَ الارجنتين، قصد بوينس ايرس وزاره في مكان اقامته، وأعلن تأييده له ولحزبه ودعاه لزيارته في مدينة كوردوبا.
كان في الستين من عمره عندما عَرِفَ الزعيم، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يصبح من أكثر المناصرين له اخلاصاً ووفاء وحماساً..
كان قد بلغ في درسه الهندسة والكهرباء درجة عالية.. الى ان خطر له ان يبني منزلاً فريداً من نوعه.. فتوصل بعد تجارب عديدة وجهود كبيرة الى بناء منزل كبير فخم، يدور بكل محتوياته على عامود من الفولاذ، فيتعرض أي جنب من جوانبه لنور الشمس أو للظل، وذلك بضغط زر كهربائي، فتتحرك جدرانه وأبوابه ونوافذه دفعة واحدة من الشرق الى الغرب أو الشمال أو الجنوب، بحسب رغبة صاحبه.
بقي عبود سعاده يعمل ست سنوات حتى تمكن من انجاز مشروعه الجبار، ببناء ذلك البيت العجيب، وعندما تمكن من تحقيق ذلك، وقف أهالي مدينة كوردوبا مدهوشين مذهولين متعجبين، أمام ذلك المنزل الجميل الفخم الواسع، الذي يحوي قاعة كبيرة وغرفاً عديدة وحمامات ومطابخ، وتحيط به حديقة جميلة وارفة الأشجار، والذي يدور على محوره لدى حركة صغيرة من صاحبه، دون ضجيج.
وبعد أيام قليلة، احتفلت مدينة كوردوبا، يتقدم أهاليها حاكم الولاية ورئيس البلدية وكبار رجال الحكومة، بتدشين ذلك البيت، المقابل لمنتزه "سارفنتو" بين شارعي "سان لورينو" و "بارانا".. وألقى الحاكم خطاباً، أشاد فيه بعبقرية عبود سعاده، الذي تجسد فيها ذكاء شعبه السوري، أمام خفق الأعلام الارجنتينية والسورية.
في هذا البيت حلّ الزعيم ضيفاً عزيزاً مكرّماً، في 15 كانون أول، وبدأت وفود الجالية السورية تأتي لزيارته والترحيب به في اليوم التالي، بعد ان انتشر بينها خبر وصوله الى بيت عبود سعاده.
في اليوم الثالث دعا المضيف ضيفه الى مزرعة له قريبة من المدينة، مع بعض السوريين لتناول "الشوراسكو" (1) في الهواء الطلق واحضان الطبيعة.
ورأى الزعيم في المرعى أمام المزرعة بعض الخيول العربية الأصيلة ترعى.. فاسترعى ذلك اهتمامه وسأل مضيفه عنها فأجاب:
- كنت في الوطن قبل مجيئي الأرجنتين، أتوق لاقتناء جواد او فرس عربية أصيلة، كالتي أراها عند أحد "البكوات" الذي كان يقطن بالقرب من قريتي، الا ان ذلك لم يكن متيسراً لي لضيق ذات يدي. وعندما رزقني الله وتحسنت احوالي بعد جهاد مرير هنا في هذه البلدة، اشتريت هذه المزرعة ومراعيها، فقط لكي أربي فيها خيولاً عربية كالتي تراها.
- أحسنت.. وهل تسمح لي بركوب أحد هذه الخيول؟
- أوتحسن الركوب يا حضرة الزعيم؟
- لقد أتقنته في مطلع شبابي في البرازيل، ومنذ أيام تمرنت عليه من جديد في تلول كوردوبا..
- حسناً اذاً، سأنادي سائس الخيول ليختار لك أفضلها ويأتي به.

بعد قليل وصل الراعي يجر جواداً أسود مع نجمة بيضاء في جبينه، تبدو عليه مظاهر الأصالة، يسير متبختراً تياهاً.. وقدمه للزعيم، الذي قفز الى ظهره برشاقة وخفة، فسار به نحو المرعى المنبسط الفسيح.
وبعد دقائق قليلة.. رأى عبود سعاده وضيوفه، الزعيم على صهوة ذلك الجواد، كأنه يطير ويسابق الرياح.. ففوجئوا وانذهلوا وازداد اعجابهم به.
بعد نصف ساعة تقريباً، رأوا الجواد يقترب خبباً من حيث كانوا، وعلى صهوته الزعيم تلوح على ثغره ابتسامة ساحرة.. فترجل عندما وصل وسلّم الجواد الى الراعي.. الذي عاد به الى المرعى.
وتحلق الحضور حول الزعيم يهنئونه ويمتدحون براعته بالركوب وخفته ورشاقته.
ثم عندما حان موعد الغداء.. جلسوا على الأعشاب الخضراء أمام بيت المزرعة في دائرة تحيط بالنار المشتعلة التي كانت قد أنضجت اللحوم الطرية، وراحوا يقطعون منها بالسكاكين ويأكلونها، ويشربون نبيذاً أرجنتينياً معتقاً.
وانتقلوا عندما انتهوا من الطعام الى شرفة المنزل، فجلسوا يصغون للزعيم، يجود عليهم بأحاديثه الشيقة وبلاغته المعهودة عن قضيته السورية القومية الاجتماعية وعن أوضاع الأمـة.

(1) "الشوراسكو" عجل يذبح ويقطع الى قطعتين بعد ان ينظف، ويملّح ثم تشك كل قطعة منه في سفافيد طويلة، وتوضع امام النار الى ان تنضج فيؤكل لحمه اللذيذ.. الذي يرغب الارجنتينيون كثيراً بأكله.

سعيد تقي الدين (2) طفولته وتحصيله الابتدائي

الرجل الكبير لا ينتهي بمأتم
سعيد تقي الدين

دعت بلدية بعقلين، عائلة واصدقاء الامين الراحل امل ابراهيم
لحضور حفل افتتاح ساحة الاديب سعيد تقي الدين في بعقلين
وذلك عند الساعة الخامسة من عصر يوم السبت 15 ايار الجاري

بتاريخ 07/04/2010 نشرنا معلومات مفيدة عن عائلة فقيد الادب الرفيق سعيد تقي الدين، نقلاً عن الاطروحة التي قدمتها الاديبة ادفيك جريديني شيبوب عام 1969 لنيل الماجستير في الادب من الجامعة الاميركية في بيروت، وصدرت في كتاب عام 1980 عن منشورات " مجلة فكر ".
هنا نورد ابرز ما جاء في الاطروحة عن طفولة سعيد تقي الدين وتحصيله العلمي.

طفولته وتحصيله الابتدائي
ولد سعيد، بكر الشيخ محمود تقي الدين من البنين، في 15 ايار 1904، فاختار له ابواه، تيمناً، اسم جده، وارخت الولادة، شعراً، في السجل العائلي، وبخط الوالد وتوقيعه (1).
في مسقط راسه بعقلين، وهو في نحو الخامسة من العمر التحق سعيد مع اخته اديل " بالمدرسة الوطنية الدينية " خاصة الست حلا، حيث اتيح لهما تلقي مبادئ العربية والانكليزية، فضلاً عن الحساب وعلم الصحة والدين. وقد داوم سعيد في هذه المدرسة نحو سنتين. عندما بلغ سعيد عامه السابع، رافق اخاه خليلا، وكان قد تجاوز الخامسة، الى مدرسة المعلم ملحم الخاصة بالصبيان، وهناك تابع دروسه التي كان قد تأسس عليها في مدرسته الاولى، فضلاً عن تعرفه بمبادئ الدين المسيحي.
والذي نعلمه ان سعيداً لم يمكث في مدرسة المعلم ملحم اكثر من سنة دراسية واحدة، لأن اباه انتقل عام 1912، الى بعبدا، بحكم وظيفته كاتباً لمجلس ادارة الشوف، فكان من البديهي ان تصحبه عائلته، وسعيد يومذاك في الثامنة من عمره، لم ينه مرحلة تعليمه الابتدائي بعد.
في بعبدا، دخل سعيد واخوه خليل " مدرسة القديس يوسف الانطونية ". يخبرنا يزبك (2) الذي كان زميلاً لسعيد في بعبدا، ان " المدرسة الانطونية "، معهد للرهبان الموارنة، عرف بالتسامح وبعدم التعصب، ولو في الظاهر، وبمداراة أبناء الموظفين. وهكذا فإن نجلي الشيخ محمود لقيا عطفاً خاصاً من جانب الرهبان.
ويخبرنا يزبك ان " المدرسة الانطونية " كانت تعنى باللغتين العربية والفرنسية، وكانت في المستوى الثانوي، وكان يدرّس اللغة العربية في الصفوف المتقدمة من بيان وبديع – الشاعر وديع عقل.
لكن التغيير الجذري الذي طرأ على تعليم سعيد في المدرسة الانطونية هو استبدال اللغة الانكليزية التي تأسس فيها، في مدرستي الست حلا والمعلم ملحم في بعقلين، والتي كان يسمعها، طفلاً، من امه في البيت، باللغة الفرنسية. وفضلاً عن ذلك فقد وجد نفسه من القلة المحمدية في معهد تطغى عليه وعلى محيطه الروح المسيحية. وربما كان ذلك، مما يفسر ما رواه رفيقه عنه، من ان سعيداً لم يكن مطمئناً الى جو المدرسة، ومن انه كان يتلكأ في دروسه الفرنسية، باحثاً عن سبيل آخر لإبراز شخصيته وتفوقه، وكان ذلك عن طريق تباهيه في لعب " الكلة " فقد كان السباق فيها لا يغلبه احد.
اما بصدد شخصية سعيد، في تلك المرحلة الباكرة من حياته، فمرجعنا الوحيد ما يخبرنا هو عن نفسه، من انه، بسبب مقام جده ثم ابيه، موظفي دولة كبيرين، نشأ يحدوه الشعور بالتفوق على سائر الرفاق. ففي الضيعة لم يكن ينادى الا " بالبك او بالشيخ ".
ويعترف سعيد، بانه " لم يكن بالغلام الصلب، كما اوحت هامته، او كما تتوقعه ممن ربي بالشوف "، وانما كان
" محمياً "، وانه بفضل تلك الحماية نشأ وديعاً حتى الجبن (3). ولعل هذا ايضاً ما يعلل قلة اختلاطه برفقائه، وانصباب ميوله الاجتماعية والتربوية، ضمن الاطار العائلي الضيق : بين ابويه، وعمه امين، واخواله.
وتشير القرائن الى ان سعيداً كان شديد الشغف بعمه امين، وبأنه كان كالواحة، يفيء اليها سعيد مع اخته اديل، ثم مع اخيه خليل، ليسترشدوا بآرائه وتوجيهاته الادبية. ومما ترويه اديل، وهي كبرى اخويها، ان عمهم كان يباريهم في حفظ الشعر، او يدعهم يقرأون عليه ابياتاً من مختاراته الشعرية، ويطالبهم بتحليلها او بوضعها نثراً، على سبيل التمرن على الكتابة وتهذيب الاسلوب.
بالاضافة الى ذلك، يحدثنا سعيد واخواه، انهم كانوا يتثقفون من مكتبة البيت في بعقلين. من ابرز الكتب التي تداول الاخوة قراءتها : " كليلة ودمنة "، "مجالي الادب "، ( للاب شيخو )، " ديوان الحماسة "، ( لابي تمام )،
" ديوان المتنبي "، " الفية ابن مالك "، وكذلك القرآن والانجيل وسواهما.
ويزعم خليل ان عمهم الشاعر كان " لا يفضل على " كليلة ودمنة " كتاباً آخر. كان يقرأ فيه ويحث الصبيان على القراءة ويقول لهم : من قرأ " كيلة ودمنة "، وادمن قراءته، فقد تعلم العربية واتقنها ".
ومما يقولـه خليل عاطفاً على ذلك : " كان معلمنا واحداً عمنا امين تقي الدين، صاحب قصيدة " الله يا لبنـان ما اجملك "، فنشأنا يهدر في جوانحنا حبان، حب للادب وشغف بلبنان ". فتأثير امين تقي الدين على اولاد اخيه، كما يبدو، تعدى الناحية الادبية والشعرية، الى بث روح الوطنية في صدورهم، ويتجلى ذلك واضحاً في انتاج سعيد وحبه الشديد للبنان.
وبالاضافة الى عمه امين، يخبرنا سعيد ايضاً، انه في صغره، مرح مع اخواله، " في مهرجان من الفكاهة والسخرية والدعاب ". ولعل سعيداً، بنتيجة معاشرته لاخواله، الذين عرفوا بروح النكتة والظرف، كما سبق واشرنا، تفتح في نفسه ميله الفطري الى الادب الفكاهي الساخر. وهكذا نرى، انه اتيح لسعيد، وهو طفل ثم يافع، ان يتلقح بميول عمه الادبية الشعرية، وبنكتة اخواله.
عندما نفي ابو سعيد الى الاناضول عام 1916، ترك ام سعيد واولاداً خمسة في الحدث (4). من احاديث ام سعيد، انها لبثت مكانها مع اولادها، حتى بدا لها ان غياب زوجها سيطول، انتقلت الى بيت العائلة في بعقلين، لتكون قريبة من الاهل، يعينونها على اعالة اولادها. لم يكن لسعيد، اذن، سوى اثنتي عشرة سنة، عندما خبر نوعاً من تحمل المسؤولية في غياب ابيه.
وكان من اضرار الحرب الكونية الاولى على عائلة محمود تقي الدين، عدا الضائقة الاقتصادية وغياب رب البيت، ان المدارس التبشيرية اقفلت، وكان سعيد قد اضحى يافعاً يضيع اثمن سنوات تحصيله خارج المدرسة . . فقررت الوالدة، بالتشاور مع اعمام سعيد واخواله، بأن سعيداً يجب ان يستأنف دراسته، مهما كلفهم ذلك من تضحيات، هم في امس الحاجة اليها. وكانت الجامعة الاميركية ببيروت بين المعاهد القليلة التي ظلت ابوابها مفتوحة في تلك الحقبة، فارسل سعيد اليها.
في الجامعة الاميركية:
تحصيله الثانوي في " الاستعدادية " : في خريف 1917 (5)، توجه سعيد الى المدرسة الاستعدادية، وكان يشترط على الراغبين في الالتحاق بها ان يخضعوا لامتحان دخول، في اللغتين العربية والانكليزية، فضلاً عن المواد الاساسية الاخرى، كالحساب والعلوم الطبيعية. والذي نعلمه ان سعيداً امضى في الاستعدادية اربع سنين، قبل الارتقاء الى صف " الفرشمن " او " العلمي الاول "، في خريف 1920.
ولا بدّ اولاً، من الرجوع الى الوراء، ووصف التغيير الذي طرأ على شخصية سعيد لدى نزوله الى الجامعة، مما يحدثنا عنه هو، او احد رفقائه في الصف (6) من ان هذا الانتقال اثر على سعيد، فشعر فجأة ان " الحماية " التي خبرها في بعقلين ارتفعت عنه فجأة، فاذا هو وحيد مستوحش وسط زمرة من الشباب البيروتي المتهكم.
ويخبرنا سماحة، انه اصبح من عادة الطلاب البيروتيين، في الصف وخارجه، ان يتحدوهما، كجبليين، بأفانين السخرية والدعابة السمجة، كمناداة سعيد مثلاً يا " يا جبلي " او " كيف جناب الشيخ ". .وان سنة كاملة انقضت قبل ان يكتسبا شيئاً من صلابة العود، ويخرجا من طور الانطواء السلبي الى المقاومة العنيفة، ويخبرنا سماحة ايضاً، انهما سرعان ما انصرفا الى ممارسة فنون الرياضة البدنية، ولم يلبث سعيد ان برع في السباحة وامسى قائداً لفرقة كرة السلة.
في المرحلة الاخيرة من دراسته الثانوية، حسب تقديرنا، بدأ اهتمام سعيد الجدي في الكتابة. فبعد نزول عمه امين الى بيروت، لممارسة المحاماة، وجعله مكتبه بمثابة " ندوة " يجتمع فيها الادباء والشعراء، وفي مقدمتهم رفقاؤه القدامى في مدرسة الحكمة، اكثر سعيد من التردد الى مكتب عمه، حيث تسنى له التعرف برواد الندوة، اذ ان اول مقال نشر لسعيد، ظهر في جريدة " البرق " عدد 13 حزيران 1921، وكان يصدرها صديق عمه، الشاعر بشارة الخوري (7) . وكان لسعيد عامذاك سبع عشرة سنة، وقد انهى للتو، مرحلة دراسته الثانوية التي تخوله الدخول للصف العلمي الاول " الفرشمن ".
بعد هذه الخطوة الاولى، يقول سعيد، تعددت مقالاته في " صحف بيروت ودمشق، وفي بعض مجلات مصر " وأكثر موقع : " حماد او بشار "(8) . وقد عثرنا منها على مقال، ادرج ايضاً افتتاحية في " البرق "، وبتوقيع "
" حماد "، تحت عنوان : " ياحملة الاقلام تعالوا نتحاسب "، ومما يقوله فيه مخاطباً الكتاب :
" تعالوا نستعرض الاخطار التي تهددنا، ونرى موقفكم ازاءها: الصهيونية، المهاجرة، وعدم رجوع المهاجرين " – ثم يمضي يعالج كلاً من هذه الاخطار الثلاثة، على حد زعمه، ويركز على ترغيب المهاجرين في العودة الى لبنان.
تحصيله العالي في الجامعة: في تشرين الاول عام 1921، ارتقى سعيد الى الصف العلمي الاول " الفرشمن " في الجامعة الاميركية، للحصول على " درجة " ب . ع. " في " الفرع العلمي "، والذي من شأنه ان يوفر للطلاب، خلال اربع سنين متتالية، ثقافة عامة في اللغات والآداب والتاريخ، والاقتصاد والعلوم وسواها. وسنحاول ان ندرج بعض الدروس الادبية التي عني بها سعيد، في الصفين العلميين الثالث والرابع.
1- في الانكليزية: مقدمة للادب، دراسة القصة، مسرحيات شكسبير، النهضة الرومنسية والعصر الفكتوري، تعريب الروائع الادبية الغربية، وتاريخ الادب الاميركي.
2- في العربية: البحث في انواع النثر وأساليب الكتابة في العصور المختلفة. كتابة الرسائل الوافية والتمرن على النقد الادبي. درس البلاغة. درس شعر المتنبي ( او المعري ) وكتابة المقالات العلمية والادبية (9).
من الواضح، ان هذه الملاحظات لا تفي بالغرض، ولكنها، على الاقل، تعطينا فكرة عامة عن الدروس التي عني بها سعيد في الجامعة.
عدا ذلك، يحدثنا بعض رفقاء سعيد آنذاك (10)، بأنه كان يمضي الساعات يطالع في مكتبة الجامعة الاميركية. اما سعيد نفسه، فيصف، فيما بعد، مطالعاته تلك، وبأسلوبه المعهود في تضخيم الامور المتعلقة بشخصه، فيقول : " لقد قرأت، بل درست الادب الكلاسيكي في ايام الشباب. قرأت اطناناً منه. وبعد ذلك قرأت كتباً أميركية عديدة، اذكر منها مؤلفات جاك لندن واو. هنري . واعتقد اني قرأت كل كلمة كتبها طاغور وغاندي نهرو ".
أما على صعيد النشاط الخارجي، فتدل القرائن، بأنه كان لسعيد فيه مجال اوسع، وهو موضوع يسوقنا الى رسم جو الجامعة في العشرينيات، خارج نطاق الدروس، فقد كان لطلاب الجامعة، منطلق فكري وثقافي واحد، هو جمعية " العروة الوثقى " . . حدثنا فريق من هؤلاء(11) أن " العروة " ضمت الطلاب ذوي الميول القومية والادبية، فكانت منبرهم ومنتداهم لتنظيم المباريات الخطابية والتمثيليات الاجتماعية والوطنية.
ويصف احدهم " العروة الوثقى " بقوله : " كان يدير الجمعية فئة من خيرة الطلاب، يحيون حفلات خطابية جماهيرية، وتشتد فيها الحماسة . . وكنا نخرج منها ونحن نحس بروح جديدة تلتهب فينا ".. " وتدعونا الى الاعتزاز بلغة العرب وثقافة العرب ".
ويروي احد اعضائها البارزين يومذاك، انه كان من نشاط العروة في تلك الفترة، مناوأة الفرنسيين، وكان الاعضاء يغتنمون المناسبات القومية الحساسة، كذكرى الشهداء، أو كذكرى وعد بلفور، لإقامة المهرجانات الخطابية، وأن شباب العروة، كثيراً ما كانوا يخرجون في السادس من ايار الى جبانة الشهداء، على الرمل، ويخطبون في الجماهير.
ويضيف سعيد الى ذلك، بان احتفالات العروة الوثقى لذكرى الشهداء، توسعت في عهد رئاسته 1923 – 1924، حضرتها الالوف من وفود المدن السورية واللبنانية جميعاً.
ويخبرنا الدكتور جبور، ان الرقابة الفرنسية على نشاط " العروة الوثقى "، وبالتالي على الجامعة، لم تكن من الخارج مباشرة، وانما من الداخل. بمعنى انه كان ثمة اتفاق بين الحكومة من جهة وادارة الجامعة من جهة ثانية، لمراقبة نصوص الخطب، والتخفيف ما امكن، من لهجة التطرف والعنف.
يخبرنا رفقاء سعيد، بأنه كان من البارزين في ارتجال الخطب الحماسية الوطنية (12)، ويروي لنا سعيد نفسه، ان اول الدروس في المناورات السياسية " تلقيتها على الاستاذ عبد الله الحاج، وكانت نتيجتها في النهاية رئاستي لجمعية " العروة الوثقى "، بعد ان دحرنا محور " نصولي – مشنوق " (13).
ولم يقتصر نشاط سعيد في العروة على القاء الخطب، وانما يخبرنا رفقاؤه بأنه كان للجمعية مجلة خطية ظلت تكتب باليد حتى 1936 (14)، وانه كان لسعيد شأن في تحريرها. ولدى تحرينا عن ذلك في مكتبة الجامعة – قسم المحفوظات، عثرنا فقط على عددين، يرجع عهدهما الى السنة الدراسية 1923 – 1924، فترة رئاسة سعيد للعروة، وهو آنذاك في عامه الجامعي الثالث.
***

1- " بحـروف النـور الفاظ بدت كتبتهـا انـمل المـولى الوحيد
جملـة واحـدة مضمونـها عش طويلاً يا ابن محمود السعيد
والهنـا يا آلـه أرخ لكـم: ان روح الجد في هـذا الحفيـد "

وتروي ام سعيد انها طرزت الابيات بخيوط الذهب على لوحة ظلت معلقة في الصالون ببعقلين، حتى ترميم البيت بعد الزلزال عام 1956.
2- من حديث خاص، مع يوسف ابراهيم يزبك في 14/01/1969.
3- راجع مقدمة " غابة الكافور "، ص 25. دار العلم للملايين، بيروت 1951، ص 6.
4- هي حدث بيروت قرب بعبدا، مقر وظيفة ابي سعيد في ذلك الحين.
5- راجع سجلات الجامعة.
6- ميشال سماحة، مهندس ورجل اعمال، من حديث خاص معه في 17/08/1968، وهو جبلي كسعيد، وكان رفيقه طيلة السنوات الثماني في الجامعة 1917 – 1925.
7- في تصريح صحفي لسعيد الى مندوب " الجريدة "، بتاريخ 18/05/1953، قال : ان اول مقال نشر له كان في جريدة " البرق "، عام 1919. وقد تحرينا عن هذا المقال فعثرنا عليه في عدد 13 حزيران 1921.
8- راجع مقدمة " نخب العدو "، ص 28. وقد اثبت هذا الادعاء الدكتور جبرائيل جبور، فيها حديث معه بتاريخ 05/12/1968.
9- للمزيد من التفاصيل عن الدروس التي عني بها سعيد في سنواته الجامعية الاربع، راجع " كتالوجات " الجامعة للسنين 1921- 1925 .
10- من احاديث خاصة، في 05/11/1968، مع جبرائيل جبور، ميشال سماحة، متى عقراوي، والدكتور فريد زين الدين وزير دولة سوري، ووزير مفوض، ومندوب الى الامم المتحدة سابقاً، ومستشار قضائي، حالياً في بيروت.
11- من احاديث خاصة، في 05/12/1968، مع جبرائيل جبور فريد زين الدين، متى عقراوي وميشال سماحة.
12- من احاديث خاصة مع جبور، زين الدين وعقراوي.
13- راجع " رياح في شراعي "، ص 218، ويعني سعيد " بنصولي ومشنوق "، انيس النصولي وعبد الله المشنوق.
14- من احاديث خاصة مع جبور، زين الدين، وعقراوي. راجع اول مجموعة مطبوعة لمجلة " العروة الوثقى " لعام 1936، في مكتبة الجامعة، حررها قسطنطين زريق.

سعيد تقي الدين (4) في الحزب السوري القومي الاجتماعي

سـعيـد تقـي الـدين
فـي الحزب السـوري القـومي الاجتمـاعي
القسم الرابع والأخير مما اخترناه عن الرفيق الاديب سعيد تقي الدين من كتاب الاديبة ادفيك جريديني شيبوب.


بعد عودة سعيد الى لبنان، ورغم انتخابه رئيساً لجمعية متخرجي الجامعة، وانهماكه في بناء النادي وتحرير مجلة
" الكلية "، يبدو انه ظل يحس بشيء من القلق وعدم الاكتفاء، وبضرورة تركيز جهوده الفردية في هيئة او منظمة قوية. ويقول سعيد عن الفترة التي سبقت انضمامه الى الحزب:
" لقد انفقت بعد عودتي من المهجر، ما يقرب من سنوات اربع ادرس الناس " . . وأنه استعرض المنظمات والاحزاب، من عروبية ولبنانية واشتراكية، حتى اهتدى الى العقيدة القومية الاجتماعية.
وعن ظروف تعرفه الى الحزب، يروي لنا سعيد انه كان في عام 1949، قد باشر وضع مسرحية " المليون الضائع "، وانها ظلت بين يديه نحو سنتين، يقرأها فيحس انها " تعرض مشكلة ولا تحلها " . . الى ان جاءته رسالة من سجين(1) هو من اعضاء الحزب يقول له فيها: قرأت مقدمة كتابك " غابة الكافور "، وفيها تقول: " ان اكبر همي في الحياة ان اقنع امي اني لم اعد طفلاً. وزاد السجين معلقاً: " ليس من الصعب على المرء ان يقنع امه انه لم يعد طفلاً، بل الصعوبة العظمى هي ان يقنع امته انه صار رجلاً " (2).
ويقول سعيد: ان هذه الرسالة اوحت اليه بتغيير موضوع المسرحية " المليون الضائع " الى " المنبوذ " . . . " وكان ان استحالت حياتي من جهود فردية مبعثرة الى نظامية نشاط في مؤسسة ".
والذي نعرفه، ان سعيداً، بعد عودته الى لبنان، كان ينشر في الصحف اقاصيص ومقالات و " رفات جناح ". وكذلك كان يدعى الى إلقاء خطب في مناسبات مدرسية او سواها، وكان يتطرق، في معظمها، الى معالجة الافات التي تفتك بالمجتمع اللبناني من اقطاعية وطائفية وفردية، وجبن وميوعة واتكالية، وهي المواضيع ذاتها التي عني بها في مسرحياته واقاصيصه السابقة. ويبدو ان مقالاته وخطبه، حتى وكتبه، لفتت اهتمام بعض المسؤولين في الحزب. من ذلك ما يخبرنا به سعيد، من ان عبد الله قبرصي اتصل به وأطلعه على مبادىء الحزب، وان هذه المبادئ لاقت تجاوباً حاراً في نفسه، فمضى يدرسها ويدرس استعداداته الخاصة بشأنها.
قبل ان ينتظم سعيد في الحزب، يخبرنا انه اراد ان يتثبت من امور ثلاثة: " اولها ان الحزب لا يحاول هدم لبنان "، والامر الثاني " ان لا يكون العنف من بعض اساليبكم "، وثالثاً، " ان لا اؤمر بكتابة شيء، او بالكف عن كتابة شيء ".
ولدى اطمئنانه الى اجوبة عبد الله قبرصي، يخبرنا سعيد بانه اعلن انتظامه في الحزب ببيان وزعته جريدة " الاحد " على الصحف، احدث ضجة كبرى في الاوساط اللبنانية: السياسية والاجتماعية، وتصدى له الكثيرون، منددين بالدوافع التي حدت به الى اتخاذ الخطوة. لكن سعيد قابلهم برباطة جأش، مؤكداً انه اصبح من الحزب في نقطة اللارجوع، وكان الشاهد على قسمه حسن الطويل.
حصل تحويل جذري في كتابات سعيد تقي الدين، بعد دخوله الحزب، ويلاحظ ان انتاجه تطعم بالعقيدة القومية الاجتماعية، وتناول في معظمه الدفاع عن مبادئ الحزب وايضاح فضائله والرد على التهم التي الصقت به، وهي مجموعة ضخمة من المقالات، معظمها نشر في : " الاحد "، " صدى لبنان "، " النهار "، " وكل شيء "(5) .
ويلاحظ ان سعيداً، بعد انتظامه في الحزب، ظل يعمل ويناضل على جبهات عدة، حتى اذا تنحى عن رئاسة جمعية المتخرجين، وما رافقها من نشاط، سواء نحو انجاز بناء النادي، او نحو تحرير " الكلية "، تحوّل بكامل زخمه الى النشاط الحزبي، فعين عام 1953 منفذاً لفرع بيروت، ثم عميداً للاذاعة. ويخبرنا بعض أمناء الحزب الذين رافقوه في تلك الحقبة، انه بحكم نفوذه ومسؤولياته الحزبية الاعلامية، فضلاً عن طبيعته المندفعة، اعطى انتاجاً غزيراً متواصلاً، ولا سيما بعد مقتل عدنان المالكي عام 1955، ومحاولة تصفية الحزب في دمشق، وتزايد الضغط عليه، وانه لم يتوقف عن الكتابة والرد على التهم الموجهة اليه والى الحزب، وشرح الملابسات ودعم آرائه بالحجج. وكان ينسق انتاجه بنفسه ويعيده للطبع، فصدر له بين عامي 1953 و1956 ستة كتب، وهي حسب تسلسل صدورها:
1- " المنبوذ "، عام 1953 – مسرحية في فصل واحد.
2- " ربيع الخريف "، عام 1954 – مجموعة اقاصيص و" رفات جناح ".
3- " سيداتي سادتي "، عام 1955 – مجموعة خطب القيت بين عامي 1948 – 1954 .
4- " تبلغوا وبلغوا "، عام 1955 – مقالات عن الحزب السوري القومي الاجتماعي.
5- " غبار البحيرة "، عام 1956 – مجموعة مقالات منوعة.
6- " غداً نقفل المدينة "، عام 1956 – مجموعة مقالات ومذكرات.
كان واضحاً للذين عرفوا سعيداً في تلك المرحلة من حياته، انه كان، كلما تقدم حزبياً، تراجع مادياً وصحياً(6). فالثروة التي كان قد جناها في الفلبين تبخرت باسرع مما قدر لها، وموارده التجارية من شركة المقاولات التي انشأها مع صديقه المهندس ميشال سماحة انقطعت حال اعتناقه الحزب، ولم يبق لسعيد من مورد منظم ينفق منه على بيته وعائلته.
وعلى الصعيد الشخصي الخاص، تخبرنا ابنته ديانا، ان اباها، مني، بعد عودته الى لبنان، بخيبة أمل، ازدادت تفاقماً بعد دخوله الحزب، واصطدامه بالواقع، فهو المثالي كان يشلح مثاليته على اهله واصحابه، حتى اذا تبيّن له خلاف ذلك، ثار غضبه . . . ونتيجة لتلك الخيبة، تقول ديانا، عمد أبوها الى مجموعة الرسائل التي بعثها الى اهله من الفلبين فمزقها جميعاً.
يبدو لنا ان سعيداً، في غمرة ذلك الصراع: العاطفي، النفسي، المادي، اهمل صحته وكان يكثر التدخين والسهر ويرهق نفسه عملاً متواصلاً وعيشاً لا نظامياً، بل فوضوياً، فانهارت صحته وانعطب قلبه. وبدأ واضحاً للذين رافقوه في تلك الحقبة، ان حياته من جهة ثانية اضحت في خطر، بعد ان طالبت به حكومة دمشق (7)، فاذا هو حذر، يحتاط للطوارئ، لا ينام ليلتين تحت سقف واحد، خصوصاً بعد اغتيال صديقه غسان جديد، ثم بعد نشوب الثورة صيف 1958، وتأزم الوضع أكثر فأكثر, وهكذا يبدو، ان حياة سعيد، وما يحف بها من اخطار، اصبحت ضرباً من الانتحار، فقرر الابتعاد عن لبنان، ريثما تعود الاوضاع الى حالتها الطبيعية الاولى . .

هجرته الثانية الى المكسيك وكولومبيا، وموته:
في 09 ايلول 1958، استقل سعيد الطائرة الى المكسيك (8)، حيث للحزب منفذية نشيطة . . وربما خطر لسعيد، بأن وقته وظروفه هناك، قد يكونان مهيئين للانتاج . . يجب ان يسجل خواطره عن صيف الدم.
كانت اول محطة نزل بها روما، حيث اجتمع بزوجته وابنته(9)، وابحر في 11 ايلول الى نيويورك، وهناك امضى اسبوعين اجتمع خلالهما ببعض الاصحاب القدامى، منهم جو سلامة وهشام شرابي وجوزف توماس اخو زوجته. ثم استأنف سعيد سفره، بحراً، الى المكسيك، حيث كان في استقباله لدى وصوله عدد من القوميين الاجتماعيين والاصدقاء، منهم الكولونيل الاميركي تشارلز اوسبون، والتاجر الصناعي نجيب دبغي.
يخبرنا السيد اميل دبغي، ان اخاه نجيباً، استضاف سعيداً صديق صباه، الاسابيع الاولى من وصوله الى المكسيك، ومهّد له سبل التعرف الى الاوساط التجارية، لكن الحظ لم يحالفه، ويبدو ان مناخ المكسيك لم يلائمه، بدليل ما اطلعتنا عليه ديانا، من ان اباها اصيب بفالج نصفي، في الجانب الايمن من جسمه، واضطر، نزولاً عند رغبة الاطباء، للانتقال الى كولمبيا.
في اوائل ايلول عام 1959 سافر سعيد الى بارانكيا في كولمبيا، ومكث في الفندق يدرس الاوضاع ويستشير اصدقاءه هناك. وعلى ضوء استشاراته ودراساته، قرر التوجه الى جزيرة سان اندرس (10).
تخبرنا باسمة ابو انطون (11)، ان سعيداً استرد بعض عافيته في جزيرة سان اندرس، وانه اسس تجارة بالاشتراك مع انطونيو الشيخ. ونظراً لسعة اختباراته التجارية ولوفرة معلوماته عنها، مضى يخابر البيوتات الصناعية والشركات التجارية في اميركا والمانيا وانكلترا، وفرنسا، فتدفقت عليه العروض المغرية والنماذج والمساطر من الاقمشة والبضائع على انواعها. وانه لو امهله القدر عاماً واحداً، لجنى من تجارته ثروة طائلة، لكن نوبة قلبية قضت عليه، وهو يستحم في البحر، في 15 شباط 1960 فقرأ عليه الفاتحة شيخ مسلم من البقاع، ودفن في مقبرة البروتستانت، ولم يزد عدد الذين شيعوا جثمانه عن العشرين شخصاً.
عام وخمسة أشهر أمضاها سعيد، بعد مغادرته بيروت، في سباق مع الموت، يمارس الاعمال التجارية ويحبر الصفحات مستعجلاً تسجيل افكاره وخواطره ومذكراته ولم يكن يخاف عليه بأن الخطر يهدده بين ساعة وساعة، لكنه كان جباراً مكابراً، لم يعترف بالوهن حتى وهو يتعثر في مشيته، ولم ينقطع عن الكتابة، فأعطى الواناً من الادب الانساني والاجتماعي والسياسي.
بعد وفاة سعيد تقي الدين صدر له كتابان:
1- " رياح في شراعي "، عام 1960 - مجموعة مقالات كتبت قبل سفره الى المكسيك عام 1958.
2- " انا والتنين "، عام 1961 - مجموعة مقالات كتبت في المكسيك وكولومبيا.
لقد كان لموت سعيد تقي الدين وقع مؤلم في المحافل الادبية: اللبنانية والعربية والمهجرية جميعاً، فنعته الصحف الموالية منها والمعارضة. وقبل مرور عام على وفاته، تشكلت لجنة لاحياء " اسبوع سعيد تقي الدين "، في الصحافة والاذاعة والتلفزيون، على ان يختتم الاسبوع في 12 شباط 1961، بحفلة خطابية في قاعة الاونسكو، يتكلم فيها : سعيد عقل، فؤاد صروف، جبران حايك، عبد الله سعاده، عبد الله العلايلي، امين نخلة، وخليل تقي الدين. وتعزف ديانا على البيانو.
وفي 10 شباط 1961، ازيح الستار في نادي خريجي الجامعة، عن لوحة تذكارية لسعيد تقي الدين، وقد تكلم رئيس الجمعية يومذاك، الدكتور فريد حداد. وفي رسالة منه ترجع الى التاريخ نفسه، يطالب رئيس الجمعية بأن يرصد مبلغ خمسة وعشرين الف ليرة لبنانية، كمنحة جامعية باسم سعيد تقي الدين.


1- السجين المذكور هو شاعر الزجل عجاج المهتار صاحب " مطعم البيت "، في شارع جان دارك. وفي حديث خاص معه في 19/02/1969، اطلعنا على رسالة جوابية بعثها اليه سعيد في حينه تقع في ثماني صفحات.
2- راجع " تبلغوا وبلغوا "، صفحة 133.
3- هو محام ومسؤول كبير في الحزب يومذاك.
4- راجع نص البيان في " تبلغوا وبلغوا "، صفحة 9، وهو بعنوان: " حين استجبت للنفير ".
5- من احاديث خاصة في 17/02/1969، مع جورج عبد المسيح، وكذلك في 07/05/1969، مع الدكتور منير خوري، الشاعر محمد يوسف حمود، وعجاج المهتار، من امناء الحزب وكبار مسؤوليه في تلك الحقبة. وقد افادنا هؤلاء ان بعض مقالات سعيد الحزبية، كانت تنشر بدون توقيعه، غير ان معظمها ضم الى مجموعاته لدى صدورها تباعاً.
6- من احاديث خاصة، في 20/12/1968، مع ام سعيد، وميشال سماحة، والدكتور فريد حداد وفي 07/05/1969، مع عجاج المهتار، محمد يوسف حمود، واسعد المقدم المدير الاداري للمجلس الوطني لانماء السياحة، وكان ملازماً لسعيد في الحزب.
7- من احاديث خاصة في 07/05/1969، مع منير خوري، عجاج المهتار ومحمد يوسف حمود من امناء الحزب عهدذاك، ان سعيد تقي الدين، اتهم عام 1956، بالاشتراك مع الضابط السوري الجنسية غسان جديد، بتدبير محاولة انقلاب في الشام، وانهما، نتيجة محاكمة عسكرية استمرت في دمشق نحو ستة أشهر، حكما بالاعدام، غيابياً، واصبح عرضة للملاحقة والاغتيال.
8- من احاديث خاصة في 15/02/1969، مع ديانا، واسعد المقدم الذي ودعه في مطار بيروت، بأن من بين اصدقاء سعيد الذين مهدوا له سبيل السفر الآمن، الجنرال فؤاد شهاب قائد الجيش يومذاك.
9- من احاديث خاصة في 20/02/1969، مع بياتريس وديانا تقي الدين، ان سعيداً سفرهما الى ايطاليا في 15/05/1958، حيث كانت ديانا تتابع دروسها الموسيقية في اكاديمية كيجاتا، وتحيي حفلات خاصة.
10- من حديث خاص في 17/02/1969، مع باسمة ابو انطون التي كانت قد سبقت سعيداً الى سان اندرس، ان سكان الجزيرة كانوا عبيداً، وقد دخلها البيض عام 1959، على اثر اعلانها مرفأ حرا.
11- من حديث معها في 17/02/1969، وقد التقت باسمة سعيداً في بارانكيا (كولومبيا) وهي يومذاك عروس صديقه انطون ابو انطون، وبعد ذلك عرفته في جزيرة سان اندرس طوال مدة اقامته هناك، الاشهر الاربعة الاخيرة من حياته.


من رفات جناحه "الرجل الكبير لا ينتهي بمأتم". وقد صح ذلك. فالرفيق سعيد تقي الدين لم ينته بوفاته في 15 شباط 1960 انما هو بقي حياً، ليس في حزبه فقط، انما في عالم الأدب، اذ يكفي ان نعلم ان عشرات الكتب صدرت عن الانتاج الادبي الوفير للرفيق سعيد، ومنها الكثير مما اهتم باصداره الرفيق "السعيد تقي الديني" جان دايه، لندرك مدى حضور ذلك العملاق في حزبه وفي مجتمعه.
وبعد غد، يجتمع أبناء بلدته بعقلين والقوميون الاجتماعيون، في ساحة "سعيد تقي الدين" في بعقلين ليشهدوا على رفع الستار عن اللوحة التي أقيمت، ويستمعوا بشغف الى كلمات تفيه بعض حقه، وتذكّر الدولة أن من العار عليها ان كاتباً بحجم سعيد تقي الدين لم يُطلق اسمه على أحد شوارع عاصمتها، ولم يُقام له تمثال، كما الدول التي تحترم الكبار من فنانيها وأدبائها وشعرائها.
غداً تقول بعقلين للدولة اللبنانية، ها أنا فعلت، فمتى تفعلين انتِ؟!.

فشكراً لبلدية بعقلين، وشكراً للأمين الراحل، الرائع قومياً اجتماعياً، أمل ابراهيم الذي أبى الا يكون لرفيقه الأديب الكبير، حضوره في مسقط رأسه.