السبت، 11 ديسمبر، 2010

الاديب الرفيق جورج مصروعة

الأديـب الـرفـيـق جـورج مـصـروعـة

الأديب الرفيق جورج مصروعة أسم سطع في عالم التاريخ والصحافة والأدب والتربية والتعليم، وكان له حضوره المشع في كل هذه الحقول. كان موسوعة في رجل.
نأمل أن نتمكن أن نكتب عن الرفيق جورج مصروعة، فهو يستحق أن يكتب عنه الكثير، وأن يعرّف للجيل الجديد الذي قد يكون سمع به انما لا يعرف عن تميزه مربياً واديباً ومؤرخاً وصحافياً.
*
من مؤلفات الرفيق الاديب جورج مصروعة، نذكر:
 هنيبعل جزءان تاريخ
 ابن زيكار رواية تاريخية
 ضحيتان رواية اجتماعية
 استير استنهوب تحقيق تاريخي
 من فواجع التاريخ
 اميرة في لبنان
 رافضون
 انطباعات افريقية
وله كتب ومؤلفات عديدة مترجمة، وكتب كانت قيد الاصدار، ومئات من المقالات والدراسات التي يصح أن تجمع، تبوَّب، وتصدر في مجلدات.
كتاباه "ابن زيكار" و"ضحيتان" هما المؤلفان اللذان أغنيا المكتبة القومية الاجتماعية، وعرفهما كثيراً الوسط القومي الاجتماعي في اربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضي، ويصح ان يعرف عنهما باستمرار وان يطلع عليهما بشغف واهتمام.
هنا نضيء على كل من الكتابين.
ضحيتـان
يحكي عن قصة شاب وفتاة من طائفتين مختلفتين، جمعهما الحب انما فرقت بينهما العادات البالية، فانفصلا في مأساة عبَّر عنها الاديب مصروعة باسلوب رائع شيَّق. يقول في مقدمة كتابه:
الموضوع حساس، كالجرح النازف الملتهب. مسالكه وعرةٌ كثيرةُ العقبات. معالجته أكثر من صعبة. انها مرهقة، توجب اللجوء الى الرّفق، واللباقة، ولطف الملامسة.
كتبت هذه الرواية في معتقل "المية ومية" عام 1942، إذ كان مدرسةً محاطةً بالاسلاك الشائكة، وأبراج المراقبة، والبنادق والرشّاشات، يعدّ المعتقلون فيه الأيام، ومصيرهم مبهم في أفقٍ غائم.
موضوع هذه الرواية مأساة اجتماعية تتكرر، عندنا، كلَّ يوم. أحدث ظهورها، للمرَّة الأولى، ضجةً استنكارٍ صاخبةً، ثم غدت مقبولة الى حدّ توزيعها على التلاميذ.

والتقدمة:
الى كلّ فتاةٍ في قلبها روحُ الحقّ، وإلى كل شابٍّ في تفكيره نورُ الحريّةِ.
*
ابـن زيكـار
رواية تاريخية، يضيء عليها الرفيق مصروعة في مقدمة الطبعة الأولى من كتابه، وفيها يقول:
"ان الحقيقة التاريخية التي نود، في هذه العجالة، أن نوجه اليها الأنظار، هي أن الاغريق، يوم كانوا لا يزالون متأرجحين بين جاهليتهم البربرية وفجر حضارتهم، شرعوا يهاجمون الحضارة الفينيقية ويحاولون طمس معالمها لبناء مدنيتهم على انقاضها، وقد اذكت احقادهم تلك الحروب الطويلة الطاحنة التي دارت رحاها بينهم وبين المستعمرات الصيدونية أولاً، ثم بينهم وبين قرطاجة طيلة القرن الرابع ق.م. فلم يكتفوا بمجابهة اعدائهم في ساحات القتال، بل عمد كتابهم وخطباؤهم وشعراؤهم الى النميمة، والتحقير، والاقذاع في الشتائم يوجهونها الى الفينيقيين. ثم جاءت أوروبة تأخذ مدنيتها عن اثينة، فانتقلت اليها هذه الشتائم وهذا التحامل المغرض بصورة حقائق تاريخية ثابتة، حتى اصبحنا اليوم نلمس في معاجم الأوروبيين وابحاثهم التاريخية ما يشبه التعمد في محاولة طمس امجاد فينيقية وابراز مساوئها.
" فاذا كانت اوروبة تدافع عن المدنية الاغريقية لأنها مهد حضارتها، فقد اصبح من حق العالم العربي، بل من واجبه، ان يدافع عن الحضارة الفينيقية التي هي قطعة منه وتراث مجيد في تاريخه، وهي، في الوقت نفسه، أم المدنيات العالمية، وحاملة مشاعل العمران في اقاصي الأرض وآفاق البحار. ففي جلاء غوامض التاريخ اظهار حقنا والدفاع عن حقيقتنا. وهذا ما حاولنا معالجة ناحية منه في هذه الرواية".
أما في مقدمة الطبعة الثانية فيورد ما يلي:
لا استطيع أن أقرأ من هذا الكتاب سطراً دون أن تعود بي الذكريات الى الظروف التي رافقت تأليفه صفحة صفحة، وكلمة كلمة.
كان ذلك في معتقل"المية ومية" حيث سلخت ثلاث سنوات من عهد الشباب في نطاق من الأسلاك الشائكة وابراج المراقبة والبنادق المحشوة ناراً والرشاشات المتأهبة لرش رصاصها على كل من يضيق صدره فيحاول الانطلاق في رحاب الحرية.
كنا عصبة من القوميين، ارجلنا في الاوحال اللزجة المدلغنة، وانظارنا في ذروة السماء. تمّر بنا الأيام الغنية بالانوار والألوان ومباهج الارض والعشب والأشجار والأزهار، وتليها الأمسيات الحافلة بالروعة والابهة والجلال، فنقف حيال ما نرى واجمين، في عيوننا نهم لا يشبع، وفي أعماق نفوسنا صلاة لا تنتهي.
كانت صلاة فاتحتها نظرة صادقة الى حقيقتنا، وفصولها تصميم على مواصلة النضال الى النهاية، وخاتمتها... أما قلت انها لا تنتهي؟
أمام تلك المشاهد التي يتضاءل دونها الجلال كنا نشعر أننا كبار، نتدفق من حبسنا الضيق فنملأ الآفاق، ونحس أن كل ذرة وكل لون من تلك الجمالات هو لنا ومنا وفينا..
ويمر بنا "السجّان" الأزرق العينين، وفيه صلف وغرور، فنشذره بنظرة تنحط عليه من علٍ كأننا نقول له بصمت افصح من الفصاحة: "أنت تمر، وأسلاكك الشائكة يفنيها الصدأ، ورشاشك يأكلها السوس.. أما نحن وهذه الأرض، أرضنا السخية المعطاء، فسنبقى! وستبقى لنا هذه السماء، وهذا البحر، وجارته صيدون، وما في صيدون واختها صور من ذكريات يقف التاريخ لها اجلالاً واكباراً.
من هنا انبثقت فكرة "ابن زيكار"، ومن هنا انطلقت فكانت كتاباً.
ثم يضيف: "أن الحياة السائرة الى الاعالي قد مرّت بابن زيكار في صور، وبهنيبعل في قرطاجة، وها هي تنهض بنا قوية جبارة لتواصل سيرها الى المقام الذي ينبغي أن يكون لنا".
*
"ضحيتان" و"ابن زيكار" كتابان يصح أن يقرأهما أشبالنا وطلابنا ورفقاؤنا.
والرفيق الأديب المؤرخ جورج مصروعة اسم كبير يجب أن يُعرف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق