الجمعة، 6 مايو 2011

قيسارية بناها الكنعانيون في فجر التاريخ

مـنـذ فـجـر التـاريــخ:
صراعنا مع الصهاينة صـراع وجـود… وهـو مستمر
قيسـارية: بـناهـا الكنـعانـيون فـي فجـر التاريـخ
وأبـادهـا اليـهـود ذات ليـلـة (1)

عندما تفسد ذاكرة التاريخ، تقع الخيانة، وتقع الأبراج، وتستقيل الآلهة، تماماً مثلما أُسقط استراتون (عبد عشتروت) من برجه المبني في أوائل عصر الاستقرار الانساني، في يد مؤامرة تاريخية كبيرة صاغتها لعنة «الذاكرة»، وحلت تلك اللعنة برعيته البسطاء، أبناء قريته الصغيرة، اولئك الذين طردوا من أرضهم، من حقهم، من رحم أمهم عشتار، ليستعمر أبناء الجاريات القادمون من الغرب بيوتهم ويغتالوا ملامحهم، فتحولت «قيساريتهم» الحبيبة من أعتق مدن التاريخ، إلى أحدث مشروع لإبادة الوطن و»تسويته أرضاً»، وما بقي منها إلا نواح الأم تندب وجوه من راحوا. وتغني: «طوبى لمن ذبحوا، طوبى لمن قاوموا، وطوبى لمن يحملون النكبة في ذاكرتهم». فـي ذاكـرة الـتاريـخ قيسارية، التي تسمى مدينة التاريخ، هي مدن السهل الساحلي الفلسطيني، وتقع على بعد (42 كم) إلى الجنوب الغربي من حيفا، وبلغت مساحة اراضيها 31786 دونماً، وقدر عدد سكانها عام 1922 حوالى (346) نسمة، وفي عام 1945 (1120) نسمة مختلطين بين مسلمين ومسيحيين، وقد تعددت الآراء وتضاربت الأقوال حول نشأتها الأولى، ومرد ذلك إلى غرق المدينة القديمة في البحر، ما نتج عنه صعوبة عمليات التنقيب فيها، إلى جانب أن بعثات الآثار التي نقبت في فلسطين، ودائرة «الآثار الإسرائيلية» لم يولوا جميعاً المدينة حقها من العناية، لكونها لم تندرج ضمن المدن التي ورد ذكرها في التوراة كمدن يهودية. وكانت القرية تقع على شاطئ البحر، داخل بقايا متينة البنيان تعود لثغر بحري كان يسمّى أصلاً برج ستراتو. والاسم قيسارية تعريب لسيزاريا (Caesarea)، الاسم الروماني الذي أُطلق على المدينة التي خلفت برج ستراتو. أما الثغر البحري، فقد أنشأه ستراتو، حاكم صيدون، في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، مستعمرةً تجارية فينيقية. وأما المدينة، فقد بناها هيرودس الكبير ودعاها سيزاريا (أي قيصرية؛ تيمناً بسيّده أغسطس قيصر) بين سنتي 22 و10 ق.م. وتطورت إلى مرفأ مزدهر في عهد الرومان، وظلت كذلك أيام البيزنطيين (وقد أظهرت تنقيبات حديثة تحت المياه أن الميناء آية من آيات البناء البحري). وشهدت قيصرية تحول أول رجل غير يهودي إلى المسيحية (أعمال الرسل: 10). وفي القرن الثالث للميلاد كانت مركزاً لعلماء المسيحية، بفضل وجود أوريجينس الذي توفي سنة 254 م تقريباً وكتبته فيها. ويؤكد معظم الباحثين بأنها من أقدم المناطق التي سكنها البشر، وأن الكنعانيين قد أنشأوا في موقعها مدينة لهم، وأطلقوا عليها اسم (برج ستراتون) وستراتون هو تحريف للاسم الكنعاني (الفينيقي) عبد عشتروت. وحسب رأي البعض الآخر أنه يمكن الاستدلال على انها كانت موجودة في الفترة الفارسية، وأنشئت على أيدي الصيداويين في القرن الرابع ق. م، اذ يتضمن الاسم أن مؤسس المدينة واحد من رهط سمي كل منهم (ستراتون)، وكانوا ملوكاً في صيدا في القرن الرابع ق.م، وكان سهل سارون (سهل يافا) تابعاً يومئذ لصيدا، وقد يكون الاسم تحويلاً يونانياً لاسم (برج ـ عشتروت) الفينيقي، ويدعمون رأيهم هذا ببعض الشذرات الواردة في المصادر التاريخية،والتي تفيد بأن الفرس قد اتخذوا من قيسارية مركزاً ثانياً للدفاع عن الساحل. ومن الباحثين من يرى بان أحد قادة الملوك البطالمة هو الذي اسسها إبان القرن الثالث ق. م، إلا أن الرأي الأكثر ترجيحاً هو القائل بأن هذه المدينة قد اسسها ملكان من صيدا، أحدهما عاش في القرن رابع ق. م، والثاني كان معاصراً للإسكندر الأكبر، وقد عرف هذان الملكان باسم واحد وهو (عبد ـ عشتروت) الذي تحول إلى اليونانية إلى ستراتون، وقد عرفت تلك المدينة بهذا الاسم في وثائق (زينون)، كما وجدنا إشارة إليها في إعمال أحد الكتاب الإغريق (أرتيمودوروس). وذكرت قيسارية في أرشيف (زينون)، وهو من المصادر الرئيسية لدراسة الحياة الاقتصادية في فلسطين في أوساط القرن الثالث ق.م. واشتهرت قيسارية بخمرها الذي كان مطمح الشاربين، وقمحها الجيد الذي كانت تصدره الى الخارج، كما كان يزرع في جهاتها الأربع، واشتهرت بصباغة الأرجوان وصناعة التجارة والأثاث، وكانت تستورد الأسماك من مصر وحتى من إسبانيا، إضافة إلى زراعة الموز والحمضيات. في قيسارية، يروى عن قصة الشيخ ابراهيم محمد أحمد حجات من قرية المنسي، وهو أحد قيادات الثورة عام 1936، الذي أعدم الخضرواتي اليهودي السفاردي مزراحي في قيسارية نتيجة اكتشاف مخططه لتسريب أراضي القرية، حيث اختطف مزراحي على يد أحمد درسية من عرب الشمالي وبعدها جاء الشيخ ابراهيم حجات وأخذه الى قيسارية قبل إعدامه. شـاهـد علـى الـبدايات تحتضن البلدة مواقع أثرية هامة وضاربة في القدم، وقد أبرزت أعمال التنقيب التي أُجريت حديثاً آثاراً كثيرة تعود إلى قيصرية؛ منها: قناة المياه العليا وقناة المياه السفلى في المدينة، ومسرح، وأجزاء من سور المدينة (يعود تاريخها إلى الحقبتين الرومانية والبيزنطية)، وميدان سباق الخيل، وإهراءات التخزين داخل المرفأ، وقلعة الصليبيين الأحدث عهداً. تحتوي على بقايا مدينة رومانية كاملة وجدران وميناء، ومعبد عشتاري، وجدران صليبية وقاعدة تحصين مائلة وبناء روماني مستطيل الشكل، وأساسات وقطع معمارية، وصخور منحوتة وأقنية ويعتبر موقعها حافلاً بالآثار الرومانية والبيزنطية والاسلامية والصليبية وهناك بعض المباني القديمة يحافظ على شكله إلى حد بعيد، غير أن الآثار العربية هدمت أو شوهت وحولت إلى مراحيض عامة. تطهـير القـرية عـرقيـاً قامت العصابات اليهودية المسلحة بهدم البلدة وتشريد أهلها البالغ عددهم عام 48 حوالى (1350) نسمة وكان ذلك في 15-2-1948 وباشراف اسحاق رابين، وكانت قد بدأت الهجمات على القرية في 10/2/1948 بهدف طرد كامل سكانها، كما تمكن الجنود من إخلاء وتدمير أربع قرى أخرى في ذات اليوم تحت سمع وبصر جنود الاحتلال البريطانيين. كما تم محو قرية ثانية تدعى برو قيسارية عن الوجود. ويذكر المؤرخ «الإسرائيلي» بِني موريس، أن قيسارية كانت أولى القرى التي تمت فيها عملية منظمة لطرد السكان الفلسطينيين، على يد الهاغاناه، إذ احتلت وحدة من البلماح القرية في 15 شباط، وهرب السكان أو أُمروا بالرحيل، وذبح من رفض الخروج، ومن بينهم عشرون قروياً أصروا على ملازمة منازلهم حتى بعد أن اُحتلت القرية، فدمّرت وحدة من البلماح منازل القرية في 20 شباط وبعضهم كان ما زال في داخلها. وكان قرار تهديم المنازل قد اتُخذ في أوائل شباط، في اجتماع هيئة الأركان العامة للهاغاناه. وقد دُمّر ثلاثون منزلاً، واستُبقيت ستة منازل بسبب نقص في المتفجرات. وكان التدمير في السياق العام لتطهير السهل الساحلي شمالي تل أبيب، في الأشهر الأولى من سنة 1948. وعلى انقاضها أقام اليهود مستعمرة «أور عكيفا» عام 1951، كما ضموا بعض أراضيها إلى مستعمرة «سدوت يام» المجاورة للبلدة والمقامة في عام 1940 على أراضي خربة أبو طنطورة إلى الجنوب من قيسارية. حوّل ما بقي من القرية اليوم، الى مطعم شرق أوسطي حديث تحت أسم « مطعم هيلنة»– يضم مطعما وباراً، مخصصاً لرفاهية سياح «اسرائيل» الشقر، أما أبناء القرية فيسكن معظمهم في مخيمات الضفة الغربية اليوم وبعضهم في الشتات.
***
(1): إعداد ذكية قرنفل- " البناء " 21/03/2011.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق